السبت، 26 أبريل 2025

ولا كل اليخنات


 

هل تظن أن كل يخني... يخني؟

آه يا سيدي العزيز، لو تدري كم يخنة مرت عليّ دون أن تترك فيّ غير عسر هضم فلسفي!

اليوم، وأنا أجر خطاي المتهالكة عائدًا من العمل، وجدت نفسي واقفًا — بقدرة قادر — قدام بائع الخضار إياه، رافع أكمامه كأنه داخل معركة مصيرية مع الكوسة والبطاطس.

ابتسم لما شافني وقال وهو بيرص الكوسة:

"والله ورجلينا تقلت على الكوسة... يا أستاذ، عايزين فتوى منك نطبخها ولا نكتبها!"

فضحكت، وأنا أشاور على البطاطس.

مسك حباية منهم، قلبها في إيده كأنها خاتم ألماس وقال:

"تصدق يا أوستاذ ... الحباية دي كانت بتسأل عليّك امبارح، قالتلي وحشني أبو الأساتيذ!"

قلتله وأنا باداري ضحكتي:

ـ "يخرب عقلك... بطاطس إيه دي إللي بتسأل عليّ؟ ناقص تكتبلي جواب كمان!"

قهقه وقال:

"آه يا أستاذ، زمنك ده كله مقلوب... البطاطس بتتكلم، والكوسة بتخطب، والقرع بيحكم!، واليوم هاينقلوا السوق من مكانه"

أخذت حاجتي وأنا بقسم بالله في سري:

لو فضل الراجل ده يحكي، هأكتب عنه رواية اسمها "رجل يربّي الخضار على الكلام".

حدثتني نفسي :

لماذا لا أجرب أن أكون طاهياً ليخنة تُكتب في التاريخ؟

بعد مااشتريت ما تيسر، وحملت الغنائم، وعدت إلى مملكتي الصغيرة.

سلخت الكوسة سلخاً، وقطعت البطاطس تقطيعًا يليق بمجدها الغابر،

ورميت الفلفل فوق الجميع كما ترمى التوابل في ثورة جياع.

النار، تلك العاشقة القديمة، كانت تنتظرني بفارغ الصبر.

أشعلتها، ورقصت عليها القطع مبتهجةً...

كما ترقص الشعوب عندما تعدها الحكومات بفرج قريب!

وبينما كانت رائحة القِدر تتسرب إلى أرجاء المكان، وقفت أمامه متأملًا:

هل أنا الآن أطهو يخنة... أم أطهو نفسي؟

كل قطعة كوسة، كل بطاطساية مبطسطة، كل فلفلية مفلفلة،

كانت تشبه جزءًا مني:

كوسة تكاسلت عن حلم،

بطاطس سقطت في معركة عمر،

وفلفل حار أحرق لسان أملي ذات مرة.

وعلى نار هادئة اشتعل المزيج، وكأنه بيكتب لي ملحمة جديدة:

ملحمة "اليخنة اللي خدت حقها من الزمن."

وبين ملعقة وملعقة،

ابتسمت لنفسي…

مش كل اليخنات سواء،

ولا كل الخضار خضار،

ولا كل السخرية مرة…

فيه سخرية بطعم يخني أبو لهب…

وسخريتي النهاردة كانت بطعم يخني أبو فرحة!

آه، ما أشبهنا باليخنات،

نبدو متماسكين، لكننا خليط هش من طموحات مشوية وأحلام مسلوقة!

الجمعة، 25 أبريل 2025

إنسان

 

إنسان

أنا الوفرة
وأنا ما ندر وقل
أنا طفرة
أنا المعرفة والجهل
أنا الخائن والمغدور
أنا الظلمات والنور
أنا الماء  والخضار
و الرعد و الإعصار
في تكويني تضاد
فأحيانًا حصاد
وأحيانًا جراد
لا أحد يشبهني
ولا أشبه أحد
أينما وليت
يرافقني المدد
خليط غير ممل
فيه من كل شيء
   ... كأنه " كل "
تارة ناسك
وتارة فاسق
أملك ؛ وأكابد
وأحب وأمل من جديد
ولا أعرف لماذا بالتحديد ؟
لا شيء عندي عزيز
الكل طعمه لذيذ
وحينما أيأس
يشدني بقوة  مارد
إلى عالم بعيد 
وتتغير كل الأشياء
و أنسى من أنا
لأبدأ رحلة  شقاء
وأعود
أضحك 
وأعود
أحب من جديد
وأنا أعلم أني سأخان
أو أخون
وأعود كي أكون
مثقلًا بالأحزان
وأعود
أدعو وأتعبد
وأنا مدمن خمر
وأعود
لحلقات الذكر
وأنا أعلم أني شرير 
إلى متى ؟
سأظل حائراً في البحر
بلا بوصلة أو خط سير
فكل الأمواج تتشابه
أين مني  الشطآن
ألملم بقايا إنسان
ملعونة هي الكآبة
ملعونة هي الرتابة
متى أعود ؟
متى أعود ؟
اشتقت للإنسان 

الثلاثاء، 22 أبريل 2025

ولا كل الكبدات

 



أتذكرون السوق ؟ إنه يقطع طريق عودتي من عملي ، وأثناء عودتي مرهقًا قليلًا رأيت بائع اللحوم يقطع كبدة ويعبئها في أطباق ومن ثم يغلفها ويضعها في ثلاجة عرض ، فنسيت تعبي وإرهاقي وتذكرت إجابة ابنتي الكبرى عن سؤالي الوجودي في مقالي السابق "ولا كل الشكشوكات" فتسمرت قدماي ووقفت أمام البائع شارد الذهن قليلًا ، فبادر بسؤالي : أؤمر يا أبو الأساتيذ ، أجيبلك إيه ؟ فتنبهت وقلت بكام كيلو الكبدة النهاردة ؟ فقال : ١٦٠ جندي بس يا أستاذ ، فتلبستني روح المتمرس العارف بأنواع الكبد وقلت ، ودي مستوردة من أي بلد ؟ قال بلا تردد : برازيلي برازيلي يا أستاذ ، فضحكت وقلت : أكيد كانت بتلعب كورة ، ثم قلت للرجل لما وجدته لم يستحسن أفشتي : طيب يا حاج عبيلي طبق ب ١٠٠ جندي ، ثم أخذت الكبدة ومشيت غير مدرك حجم التوريطة التي ورطت بها نفسي ! وماذا بعد ؟ سرت ولا أنتوي أي شيء ، حتى توقفت قدماي مرة أخرى عند بائع الخضروات إياه ، وأكيد لسة فاكرينه ، هذا البائع المتنمر ، ذهبت و ناوي له على نية ، لكن بمجرد أن رآني تذكرني فابتسم ابتسامة مصرية صافية أطفأت نار نيتي له ، فابتسمت وقلت : إوزن كيلو بطاطس ، فضحك القهقة وقال : إنت لسة فاكرها يا أستاذ من المرة اللي فاتت ، دي شكلها كانت شغلاك أوي ، طيب ردوا إنتم بقه أعمل في الراجل ده إيه ؟ وبطاطس إيه إللي هابات الليل أفكر فيها وتشغلني وأنا بشارك في رسم سياسات ومتابعة تنفيذ عمل إدارة كاملة ، فقلت لنفسي : "اللهم إخزيك يا شوشو" ، وطبعا قرائي الأعزاء يعرفون جيدًا من هو "شوشو" ، فقلت بيني وبين نفسي : لابد أن أغير خطتي مع هذا المتنمر ، فبادرت بالرد : تخيل ما نمتش من التفكير فيها طول الليل ، لدرجة إني حلمت بيها ، فقال مسرعًا : وجاتلك بقه متحمرة ولا متقشرة ؟ قلت : جاتني عريانة ، فانفجر الرجل ضحكًا و سقط من يده كيس البطاطس ، ثم قال : وعملت معاها إيه يا أستاذ ؟ الله يخرب بيتك الراجل عاوز يصعد ويعلي ، قلت : أبدًا أنا لعبت معاها شوية و بعدين كلتها ، قال : بألف هنا وشفا على قلبك يا أستاذ ، إن شاء الله المرة الجاية تجيلك الكوسة ، فنظرت له نظرة أنا نفسي مش عارف معناها إيه ثم تركته وانصرفت ، و هنا تذكرت التوابل فاشتريت منها ووجدتني أتذكر الثوم وحزمة الشبت والكسبرة ، ما هذا ؟ هل كنت طباخًا في حياة سابقة ؟ من أين أتت لرأسي كل تلك الفتوحات ، ربما لأني كنت أراقب أمي جيدًا وهي تطبخ وأنا صغير ، فأمي كانت طهاية من نوع فريد ، يكفي أن تضع يدها في أي أكلة فتتحول إلى سحر و دواء يأخذك في عوالم افتراضية من الاستمتاع بالطعم ، أدامك الله يا أمي على رأسي حتى لو نسيتي قواعد الطبيخ ، الآن ليس لدي أي حجة ، وسرعان ما غسلت وقشرت وقطعت وسلقت ، كل هذا في وقت واحد تقريبًا وبالتوازي ، كما وكنت حريصًا جدًا على نظافة المطبخ حولي ، هكذا تعلمت من أمي ، وبعد دقائق لا أدري طالت أم قصرت بدأت أشم رائحة النضوج ، فقلت هنا كانت أمي تهدأ النار ففعلت ، والرائحة تتوغل وتتسرب داخل وخارج الشقة التي لم يوقد فيها نار منذ زمن بعيد ، فأخذت طبق صغير وغرفت قليلًا مما صنعت ، و سخنت رغيفان وتوكلت وسميت الله ، ما ألذ ما صنعت ، وما أشهى ما جنته يدي ، أكاد أجزم أنها أشهى أكلة أكلتها بعد أكلات أمي و شكشوكة أمس ، ويطل برأسه كالعادة كل مرة نفس السؤال الوجودي الأزلي ، هاطبخ إيه المرة الجاية ؟ 

حكايات مصرية ٣

 هنا القاهرة - شبه دولة المماليك 


هنا القاهرة عاصمة الخلافة العباسية ، وعاصمة السلطنة
المملوكية في ذات نفس الوقت ، أيوه زمبقولك كده  ، فبعد قتل التتار للمستعصم بالله آخر خلفاء العباسيين في بغداد ، ظلت الخلافة بلا خليفة لما يقرب من ثلاث سنوات ونصف تقريبًا ، حتى وصل المدعو " أحمد المستنصر بالله " في ظروف غامضة إلى القاهرة في شتاء عام ١٢٦١ م أثناء حكم السلطان الظاهر بيبرس وكان عمر المستنصر هذا وقتها يقارب ال ٣٥ عام ولا يعرف بالتحديد إن كان هذا المستنصر قد أتى ضمن مجموعة من عرب الحجاز الذين كانوا ينزحون إلى مصر بحثًا عن رغد العيش ضمن سلسة من هجمات النزوح الشرسة للعربان والتي كانت تتسم بالعنف والسطو والقلاقل التي كانوا يفعلونها أثناء تلك الفترة التي اتسمت بعدم الاستقرار في شبه الجزيرة العربية ، وقيل إيضًا في مجيئ المستنصر إلى مصر ، أنه جاء بناء على طلب من سلطان مصر الظاهر بيبرس ، وهنا يجب أن نتوقف قليلًا ، فبيبرس البندقداري كان سلطانًا قويًا ، حتى أن بعض المؤرخيين يعتبرونه سلطان المماليك البحرية الأول ، رغم شهرة سابقه " سيف الدين قطز " والدور العظيم الذي أداه في منازلة التتار وموقعة " عين جالوت " الشهيرة  _ وإن كان لي بعض التحفظ على تلك البروباجنده " المصاحبة لتلك المعركة الشهيرة " حيث أن المواجهة لم تكن مع جحافل التتار كما يدعون  ، بل قل مع فلول التتار وبقايا جيوشهم في منطقة الشام ، لأن " هولاكو "  في ذلك التوقيت إضطر للعودة إلى بلاده بعد قطع إبن عمه " بركة خان " طرق الإمداد عليه وعلى جيشه عقابًا له على مافعله بالخلافة العباسية في بغداد وبالإسلام رغم تحذيرات " بركة خان " ذو الميول الإسلامية له من عاقبة ذلك _ نعود لسبب وقفتنا عند تلك الواقعة ، إن سلطان المماليك يعلم جيدًا أنه " مملوك " وأنهم كانوا جميعًا بالأمس القريب مجرد خدم وعبيد لأسيادهم الأيوبيين ، ودائمًا وأبدًا فإن سيكولوجية العبيد لا ولن تتغير فهم دائمًا يسعون إلى إيجاد " شرعية " وإن كانت صورية ، فالعبد في قرارة نفسه يعرف أنه " عبد ذليل " حتى لو أصبح سلطانًا في غفلة من الزمان ، لذا وبمجرد وصول المستنصر عقد له بيبرس مجلسًا جمع فيه كبار المشايخ والعلماء والذي كان من بينهم " عز الدين بن عبد السلام " شيخ الشافعية ، وأيضًا قاضي قضاة مصر " تاج الدين ابن بنت الأعز " والذي أثبت نسب المستنصر ، ولا أحد يعلم كيف إلا هو ، ثم بايعه السلطان الظاهر بالخلافة ، وسرعان ماجهز له جيشًا وخرج الخليفة والسلطان إلى بلاد الشام وهناك قام السلطان بوضع اللمسات الآخيرة على تجهيز الجيش الذى ولى الخليفة المستنصر على قيادته وكان هدف ذلك الجيش هو استعادة بغداد من يد التتار ، وسرعان ما علم التتار بقدوم جيش المستنصر حتى خرجوا عليه قبل وصوله إلى بغداد وأبادوه عن ظهر قلب ، ومن يومها إلى الآن لا أحد يعرف أين إختفى الخليفة المستنصر " خليفة المؤمنين " والذي لم يمكث في الخلافة غير بضع شهور ، وكأن لسان حاله يقول " أموت وأعرف مين إللي شار عليا الشورى الطين دي " رحم الله المستنصر والذي راح ضحية أطماع السلطان وليس رغبة في الخلافة .

لقد أعاد المماليك إحياء الخلافة العباسية في مصر بعد زوال شمسها في بغداد ، لكنها كانت صورية وفقط لاضفاء الشرعية والدعم الروحي مما يجعل حكمهم مهيب الجانب وأقرب إلى القداسة ، والغريب العجيب أن هذا العرف صار مستمرًا حتى بعد زوال دولة المماليك وقتل  " طومان باي "  آخر السلاطين المملوكيين في العام ١٥١٧ م
حيث أسر " سليم الأول " سلطان العثمانلية " المتوكل على الله الثالث " آخر خلفاء بني العباس ، وأمر بنقله إلى اسطنبول وأوصى بأن تؤول الخلافة بعد موته إلى السلطان العثماني وكان معه " سيف الرسول وبردته " ولما مات المتوكل في ١٥٤٣ م انتقلت الخلافة إلى أبناء عثمان وظلت فيهم حتى العام ١٩٢٤ م
وبصرف النظر عن رحلة البحث عن الشرعية عبر التاريخ ، وأن من لايملك أعطى ووهب ومنح من لا يستحق فإن عهد المماليك يعد بمثابة بداية الانحطاط في تاريخ الحضارة الإسلامية ، فكل شيء كان " كأن " فالسلطان كان عبد لكن كأنه سلطان ، والخليفة كان مجهول النسب لكنه كان كأنه " خليفة " وحتى الدولة لم تكن دوله ولكنها كانت " شبه دولة " أو لنقل كنوع من التمويه والخداع اللغوي " شبه سلطنة " ونحن بدورنا " شبه شعب " فمتى ؟؟ متى نستفيق من الوهم والخداع .

إهداء إلى ابنتي الحبيبة " نورڤانا " 

حكايات مصرية ٢



قوم يا مصرى مصر دايما بتناديك
خد بنصرى نصرى دين واجب عليك
يوم ما سعدى راح هدر قدام عينيك
عد لى مجدى اللى ضيعته بأيديك
شوف جدودك فى قبورهم ليل نهار
من جمودك كل عضمة بتستجار
صون أثارك ياللى دنست الاثار
دول فاتولك مجد و أنت فوت عار
شوفت اى بلاد يا مصرى فى الجمال
تيجى زى بلادك اللى ترابها مال
نيلها جى السعد منه حلال زلال


أيضًا الرائع ... بديع خيري

في العام ١٨٣٢ م لم تنسى فرنسا حلمها بشق قناة تربط بين البحرين فأرسلت وفدًا من خيرة مهندسيها ، واستطاعوا الحصول على إذن من رجل الدولة المحنك " محمد علي " بالذهاب إلى الموقع من جديد وتأكدوا أن " لوبير " مهندس " نابليون " قد أخطأ في الحساب ، وأثبتوا أن مستوى المياه في البحرين واحد ، لكن " محمد علي " وافق على الحفر بشرطين في منتهى الحنكة والذكاء ، رغم كونه لم يكن مصريًا لكن ولائه كان مصريًا ، بعكس مصري اليوم والذي ليس لديه ولاء إلا للأعداء ، نعود لشرطي " علي " أما الأول : أن تضمن القوى العظمى حيادية القناة وبالتالي الاعتراف الضمني باستقلال مصر ، وأما الثاني - وأرجوك انتبه جيدًا له - أن تمول القناة بالكامل من أموال وخزينة مصر ، وبالتأكيد قوبلت الشروط بالرفض .

ومات نابليون ومات محمد علي وساءت أحوال فرنسا الاقتصادية ، لكن الفكرة لم تسقط من عقل " فردناند دي ليسبس " والذي جمع عائلته واستقل سفينة عائدًا إلى مصر ، بلد الخير والرخاء والتي لا تسوء أبدًا أحوالها الإقتصادية ، ولا تنقطع خيراتها ولا تمنع ، ووصل في ٧ نوفمبر ١٨٥٤ م وقابل صديقه الذي أصبح خديوي على مصر في ١١ من نفس الشهر ، وسرعان ما عرض عليه مشروع القناة ، وهنا تبرز على السطح أهمية " المكرونة " التي كان يهربها دي ليسبس لصديقه بعد منع " محمد علي " ابنه من أكلها لأنها تسبب البدانة , وتقدر تقول كده كان بيعتبرها " أندومي " ليس لها فائدة ، لكن المشكلة أن الابن " سعيد باشا " كان " طفس " وهمه على بطنه ، فاستغل ذلك " دي ليسبس " وعقد أظلم وأجحف بل وأحقر الصفقات في تاريخ مصر ،

منح والي مصر الخديوي  " محمد سعيد باشا " في عام ١٨٥٦ م للمهندس الفرنسي " فردناند دي ليسبس " إمتيازًا بحفر قناة السويس البحرية وتشغيلها لمدة ٩٩ عام تبدأ من تاريخ إفتتاح القناة للملاحة البحرية على أن يكون نصيب مصر من الأرباح ١٥ ٪ , وسرعان ما شرع " دي ليسبس " في إنشاء الشركة العالمية لقناة السويس البحرية  برأسمال 200 مليون فرنك فرنسي موزعة على 400 ألف سهم قيمة السهم الواحد 500 فرنك، وطرحت أسهم الشركة في الأسواق الدولية في نوفمبر 1858، واكتتب الفرنسيون بنحو 207,111 سهم ما يعادل نصف الأسهم فيما اكتتب الخديوي بنحو 177,642 سهم وتوزعت باقي الأسهم المكتتبة في الأسواق الدولية
وضع دي ليسبس  وحده بل ومنفردًا  لائحة العمال بعد أن حاز على توقيع الخديوي سعيد عليها ، والتي ضمنت لشركة قناة السويس البحرية (الفرنسية في ذلك الوقت) الموارد البشرية الهائلة من خلال تعبئة المصريين لحفر القناة، وجاءت المادة الأولى من اللائحة لتنص على أن تقدم الحكومة المصرية العمال للشركة طبقاً للطلبات التي يتقدم بها كبير مهندسي الشركة ( فوازان بك )  وطبقاً لاحتياجات العمل، وحددت المادة الثانية أجور العمال التي تراوحت ما بين قرش ونصف القرش وثلاثة قروش في اليوم، وإذا كان العامل دون الثانية عشرة من عمره يتقاضى قرشاً واحداً في اليوم ،- هل لا حظت شيئًا ؟ - الشركة العالمية استعانت بالأطفال المصريين ، ولم ترحم ضعفهم ! ، ونستطيع الآن بالوثائق والمستندات مقاضاة فرنسا لاستخدامها أطفال مصر في ظروف غير آدمية واستغلالهم حتى الموت . صحيح التزمت الشركة بتقديم الخبز المقدد إلى كل عامل بصرف النظر عن عمره ، ونصت اللائحة على فرض عقوبات على العمال الهاربين من الحفر ، فالعامل المهمل يخصم من أجره بما يتناسب مع مقدار إهماله، أما العامل الذي يهرب فيفقد أجر الخمسة عشر يوماً المحفوظة بخزينة الشركة، ونصت اللائحة أيضاً على عمل مستشفى ميداني بمنطقة الحفر ومراكز للإسعاف مزودة بالأدوية ، لكن معاناة العمال
بدأت من خلال نقض الشركةلوعدها بحفر قناة ماء عذب لمد العمال بمياه الشرب مما أدى للتضحية بآلاف العمال الذين أنهكتهم شدة العطش والانهيارات الرملية. ثم توالى سقوط الآلاف بسبب انتشار الأوبئة ، كما خالفت الشركة وعدها بتوفير وسائل متطورة في الحفر وأكره العمال على العمل في ظروف قاسية معتمدين فقط على سواعدهم وعلى الفأس والقفة

شهدت  سنوات الحفر الأولى للقناة أكبر عملية حشد للعمال بلغت عام ١٨٦٢ م مابين  20 ألف و22 ألف عامل يساقون لساحات الحفر في الشهر الواحد، قادمين من الوجهين القبلي والبحري، وكثر تمرد العمال وهروبهم وأظهر عمال الوجه القبلي تحدياً سافراً للشركة مما اضطر الشركة للاستعانة بالشرطة لإخماد تمرد العمال ومطاردتهم وتعذيبهم ، وقد كشفت التقارير الطبية والمحفوظة في مكتبة الإسكندرية أن أكثر الأمراض التي إنتشرت بين العمال هي النزلات الشعبية والأمراض الصدرية وحالات الاسهال الشديد والدوسنتاريا والجدري والكوليرا لدرجة أن الشركة لم تجد رجالاً يرفعون جثث الموتى الذين كان يتم دفنهم في الصحراء، وتلاها ظهور مأساة تعرض العمال خلال الحفر لمادة طينية سائلة كانت تحتوي على مادة الفسفور الحارق مما أدى إلى إصابة الآلاف بالأمراض الغامضة التي أدت إلى وفاتهم على الفور .


ومات من مات ، وما أكثر من مات حتى الخديوي سعيد نفسه مات ، وتولى بعده الخديوي " اسماعيل " الذي قرر افتتاح القناة في ١٧ نوفمبر ١٨٦٩ م ، أي بعد ١٠ سنوات من قتل المصريين في الحفر واختلاط دمائهم بالماء المالح ، وقد دعا اسماعيل ملوك وأمراء أوربا - وعلى رأسهم - الإمبراطورة " أوجيني " الجميلة الجذابة زوجة " نابليون الثالث " والتي قالت بعد إنتهاء الحفل الإسطوري : ما رأيت أروع من هذا الحفل الشرقي العظيم في حياتي , وعلى الرغم من إغراق البلاد في الديون ، فقد كان لإسماعيل رؤية توسعية مما جعلت حلفاء الأمس يضغطون لخلعه وعزله عن الحكم وتوليه ابنه توفيق بدلًا منه ، بعد أن تعرضت البلاد بعد افتتاح القناة ب ٦ سنوات لأزمة مالية طاحنة ، مما أضطر إسماعيل لبيع حصة مصر في القناة لبريطانيا بمبلغ ١٠٠ مليون فرنك في ٢٥ نوفمبر ١٨٧٥ م ولكن لم يف بيع مصر لحصتها في القناة بالديون مما أضطرها لبيع حصتها من الأرباح أيضًا نظير مبلغ ٢٢ مليون فرنك ، وهكذا خسرت مصر دم أبنائها وحقها في القناة في ظرف " ست سنوات " بصوت " السادات "
وها نحن وبعد مرور ما يقارب مائة وخمسون عام ، لم نتعلم من دروس التاريخ ونعرض للمرة الثانية شرفنا وعرضنا ودم أبنائنا للبيع بسبب الديون المبالغ فيها والغير مبررة تمامًا كما فعل " إسماعيل " وحتى لو بيعت القناة ، وبيعت بعض الجزر ، وبيعت حصتنا في غاز المتوسط ، وبيعت شبه جزيرة سيناء ، وبيعت نساء مصر كما بيع أطفالها في حفر القناة ، فلن تفي بسداد الديون ، أتدرون لماذا ؟ لأننا لم نستفد من تلك الديون ولم نبني بها مصانع لإنتاج سلع ، ولا مدارس لإنتاج عقول ، وإنما سكتنا واكتفينا بانفاقها في ذلك الأسفلت اللعين أسود القلب ، وتلك الكباري العجيبة التي تلف حول نفسها ، وتلك الأطنان من الخراسانات التي سقطت في قاع الصحراء ، نحن نراقب ونرتقب دورة التاريخ الطبيعية والمتكررة دومًا ، ويبدو أن لا أحد يستوعب الدرس .

حكايات مصرية ١




 هز الهلال ياسيد كراماتك لاجل نعيد

حد الله مابيني وبينك غير حب الوطن ياحكومة
ماحناش حبة بلاليص حاطينها فوق الكراسي
بكرة المولى يعدلها وفي الدنيا عمرك ما تقاسي
هز الهلال ياسيد كراماتك لاجل نعيد
الرائع بديع خيري

كلمات مصرية صٍرفة ، وحكاية مصرية صٍرفة بتبدأ سنة ١٨٧٤ ق.م لما قرر عظيم مصر " سنوسرت الثالث " الملك الخامس للأسرة الثانية عشر ، وأعظم ملوك عصر الدولة الوسطى ، ووالد العظيم " أمنمحات الثالث " ملوك الحروب والرخاء ، ولا تسألني كيف يجتمع الحرب والرخاء في آن واحد ، لكنه تحقق بالفعل في عهد العظماء  ، أما في عهد الجبناء فلا حرب ولا رخاء ، هكذا أخبرنا ويخبرنا " أبانا " التاريخ ، سنوسرت شق قناة تربط بين البحرين المتوسط والأحمر عبر نهر النيل ، عرفناها باسم " قناة سيزوستريس " وبالمناسبة هذا الاسم هو نفسه اسم " سنوسرت" كما نطقه الإغريق ، وتكمن أهميتها في أنها زادت من حركة التجارة بين " كمت " و " بونت " ، أقصد " مصر " و " الصومال " كما عززت أيضًا التجارة بين مصر وجزر المتوسط ، ولأسباب تتعلق بضعف الدولة أهملت القناة حتى جاء عظيم آخر اسمه " سيتي الأول " وأعاد افتتاحها سنة ١٣١٠ ق.م ، ثم دارا الأول ثم بطليموس الثاني ، ثم سموها قناة الرومان سنة ١١٧ م ، ثم سموها " قناة أمير المؤمنين " سنة ٦٤٠ م ، ثم ردمها أمير المؤمنين " أبو جعفر المنصور " العباسي لما ثار وتمرد أهل الحجاز على الحكم العباسي ، خوفا من تعاطف أهل مصر معهم وإمدادهم بالمؤن والسلاح ، ثم فتحها " هارون الرشيد " ثم ردمت من جديد ، والغريب أنهم كانوا يسيرون قوافل البضائع على ظهر  ( الجمال والبغال والحمير ) في نفس الطريق الذي كانت تسلكه القناة ، حتى إكتشف البرتغاليون " طريق رأس الرجاء الصالح " والذي يلف ويدور حول قارة إفريقيا بالكامل ، فتسبب ذلك في بوار التجارة وكسادها في مصر والبندقية ونابولي وجنوة وغيرها من المدن والجزر المتوسطية ، فتجمع التجار وذهبوا للسلطان المملوكي " قنصوة الغوري " طالبين منه النجدة ، راجيين منه إلغاء القوافل وإعادة حفر قناة الجدود الأصليين ، لكن طبول الحرب كانت تدق فوق رأس المملوكي ، حتى حل العثمانلي ضيفًا ثقيلًا على عموم البلاد ، ومرت السنون الطويلة والليالي السوداء على القناة ، حتى جاءت الحملة الفرنسية بقيادة " نابليون بونابرت " وهزم العثمانيين واستولى على حكم البلاد ، وتلقى نابليون من فرنسا أمرًا بحفر قناة تربط بين البحرين مباشرةً ، فأخذ معه لجنة من المهندسين وخرج من القاهرة لمعاينة الموقع ، وكان يرأس لجنة المهندسين رجل يدعى " لوبير " والذي أقنع " بونابرتة " بأن مستوى سطح الماء في البحر الأحمر أعلى من نظيره في المتوسط بما يعادل تسعه أمتار ، مما سيؤدي إلى غرق محقق للبلاد ، فتراجع " نابليون " في الحال وعاد دون تحقيق هدفه ، كان هذا في نهاية عام ١٨٠٠ م وحتى بدايات العام الذي يليه ١٨٠١ م ، لكن نابليون بعد رحيله إلى فرنسا وتوليه سدة الحكم ، أرسل دبلوماسيًا مخضرمًا إلى مصر حتى يختار واليًا على مصر مواليًا لفرنسا ، هذا الدبلوماسي هو " ماتيو دي ليسبس" وبالفعل وقع اختياره على ضابطًا في الفرقة الألبانية التابعة للجيش العثماني ، رآه يتقرب بذكاء إلى شيوخ الأزهر والزعامة الشعبية وكبار الأعيان ، فقدم له النصيحة والمشورة بل والدعم المادي في بعض الأحيان ، حتى تمكن " محمد علي " من السيطرة على حكم البلاد متغلبًا على " البرديسي " الذي عينه الإنجليز ومن بعده " خورشيد باشا " ولم ينسى محمد علي مساعدة فرنسا له عن طريق مبعوثها الذكي " ماتيو دي ليسبس " حتى بعد وفاته ، وقدوم ابنه المهندس الشاب " فرديناند دي ليسبس " كقنصل مساعد لبلاده في الإسكندرية ، واستقبله " محمد علي " بحفاوة بالغة كنوع من رد الجميل لأبيه ، وعرض عليه العمل في القصر كمعلمًا ومربيًا لابنه الأمير " محمد سعيد باشا " ومنذ ذلك الحين وقد ولدت علاقة من نوع خاص بين الدبلوماسي الفرنسي والأمير ، تلك العلاقة سيكون لها ما بعدها سواء على الصعيد المصري أو حتى العالمي ... فانتظروني ....

الأحد، 20 أبريل 2025

ولا كل الشكشوكات

 



كنت قد اشتقت كثيرًا للأكل من عمل يدي ، وسرعان ما أشمرت يداي ، وتولد بداخلي حماس هائل مهول ، فاتخذت قراري الحازم الحاسم وتوجهت إلى السوق غير مباليًا ، وبكل شجاعة سحبت كيسًا بلاستيكيًا و شرعت في تعبئته بحبات الطماطم الصغيرة المستديرة بل كاملة الاستدارة ، ثم وبكل بهجة تناولت كيسًا آخر ، وكأني أعلنها بيني وبين نفسي - أنا هاخربها النهاردة - ووجدتني أملأ الكيس الآخر بصلًا رأيته مبصولًا ، لا شك أنني سعيد بل في غاية السعادة ، فمنذ زمن بعيد لم أفعل هذا ، وأكتفي بسد رمقي من عمل يد الناس ، ومهما كان الأكل الجاهز لذيذ ، أنت لا تجد نفسك فيه ، أنت هنا متلقي ، و دورك غير مؤثر ، وكأن البائع فضح أمري وأنتم تعلمون أن للبائعين المحترفين نظرة ، فأنا لست زبونًا دائم ، فأمسك بكيس الطماطم و هم بسؤالي : أوزن لك نصف كيلو يا أستاذ ، فأجبت بتعالي وربما بعض الاستنكار : نصف كيلو إيه يا عم هو أنا هاعمل سلطة ، كنت أود لحظتها إخباره بأني سأطبخ ، لكني وفي اللحظات الأخيرة سحبت الكلمة من أطراف شفتاي ، فبدلتها مسرعًا وقلت بملئ الفم : أنا عاوز كيلو ، ثم تكرر مع البصل ما حدث للطماطم ، فارتبت من أمر الرجل ، لكني أمام فرحتي بالطبيخ تركته ولم أبالي ، لكنه باغتني بسؤال غريب أثناء انسحابي من أمامه ، قال : مش عاوز بطاطس ، فلم أفكر كثيرًا لأني أعلم مسبقًا أنها تحتاج لتقشير وغلبة وربما لست جاهز هذه المرة ، فقلت له بغلاسة : خليهالك ، ثم سحبتني قدمي دون أن أقرر إلى بائع البيض ، قلت : أريد أربع بيضات ، فوضعهما لي في كيس ، ثم انصرفت منتشيًا ، يبدو أني في تلك اللحظة اتخذت قرار ، وحسمت الجدل الدائر في رأسي ، سوف أطبخ "شكشوكة" فأنا ماهر جدًا في صنعها ، وهدأت روح "الفأر الطباخ" بداخلي وذهبت للحظة الحاسمة ، وأحضرت أدواتي وجهزت العدة ، وقطعت البصل بيدي وغسلت الطماطم ثم قطعتها قطع صغيرة ثم وضعت قليلًا من الزيت في إناء الطهي ثم بعد أن سمعت صوت "طشطشة" نزلت بالبصل المقطع وكلي بهجة رغم حالة البكاء الشديدة التي تعرضت لها أثناء تقطيع البصل ، وبعد أن هدأت مقلتاي واستتب أمر جيوبي الأنفية بحث عن الملح فوجدته فوضعت القليل منه على الطماطم المقطعة بمهارة ، وزاد توتري وانزعاجي حينما تذكرت أني نسيت أشتري بعض التوابل ، فهي تعطي للأكل نكهة ، وأي نكهة ، لكني قلت لنفسي : ولا يهمك سوف آكلها أيًا كانت النتائج ، فأنا من صنعت ، ثم بعد تقليب البصل والذي منه ، وبعد أن اصفر لونه كالذهب ، بادرت بوضع الطماطم مع قليل من الماء ، ثم قمت بكسر بيضتان من الأربعة ، ولا أدري لماذا فعلت ذلك ولم أكسر الأربعة دفعة واحدة ، لكني كما قلت لكم في جميع الأحوال أنا ضميري مرتاح ولم يلمني لحظة واحدة ، وبعد أن تحول الخليط إلى اللون الأحمر القاني ، نزلت بالبيضتان ، بالطبع بعد تقليبهما ، وبعد لحظات ظهر للنور أجمل وأرقة طبق شكشوكة في التاريخ ، لقد فعلتها ، أنا نجحت ، وشرعت في الأكل ، فإذا بي ألتهم لا آكل ، إنها حقًا لذيذة جدًا جدًا جدًا مما أنساني نقص التوابل ، أكاد أجزم بل وأحلف لكم إنها ليست ككل الشكشوكات التي أكلتها ، لقد فرقعت في هذا الخليط السحري ثلاثة أرغفة كاملين ، وهنا سألت نفسي السؤال الوجودي ، هانطبخ إيه المرة الجاية !؟ . 

الجمعة، 18 أبريل 2025

لعنة الخامسة صباحًا




الأستاذ عبد الناصر رجل يحمل التاريخ في طيات عقله، ويحمله التاريخ في ملئ عيونه. معلم من طراز فريد، له أسلوبه الخاص جدًا والمميز في توصيل ونقل المعلومات، حيث تنساب من فمه كأنها نهر متدفق يجري بتؤدة ورزانة؛ فتنزل على مسامع مريديه سهلة وبسيطة وممتعة.


لم تكن حصته مثل باقي الحصص مملة يغالب بعض الطلاب في منتصفها النعاس، بل كانت منذ انطلاقها وحتى توقفها كأنها فيلم مصور باحترافية شديدة. الكلمات منمقة ومختارة بعناية في تسلسل غريب، تجبرك كل كلمة على تتبع وتعجل ما بعدها.


كما كان رحيمًا، إنسانيته تسمو به إلى درجة القديس لا المعلم. كان أبًا عطوفًا لكل طلابه رغم عدم إنجابه، كان يحظى باحترام الصغير قبل الكبير. هو لا شك عندي رجل جاء من عالم آخر غير عالمنا.


يعيش في شقته في الدور الخامس من العمارة الخامسة من مجمع مساكن حيّنا الشعبي، مع زوجته الرقيقة "الست بدرية" كما كان يناديها دائمًا. وزوجة معلمنا كانت سيدة كأنها تشبهه كثيرًا، إلا أنها بيضاء، ذلك البياض الرائق الذي إذا دققت فيه قليلًا ربما ترى صورتك في وجهها. وكانت طويلة، ممشوقة، رشيقة رغم تقدمها في السن، لكن صوتها توقف عند مرحلة الطفولة، ما أن تسمعه حتى تشعر بالدفء والحنان، وأن صاحبة هذا الصوت قريبة جدًا منك، ربما أختك أو أمك.


وهي كانت للأستاذ كل أقاربه، فكانت أخته وأمه وزوجته وابنته. كل حديثه خارج التاريخ كان عنها، حتى أنه صنع لها تاريخًا خاصًا بها، وأزعم أنه ألف فيها كتبًا. كثيرًا ما حكى لنا الأستاذ باستمتاع وربما نشوة الفاتحين يومياته مع "الست بدرية"، حيث كانت ساعتهم البيولوجية توقظهما معًا في تمام الساعة الخامسة، دون منبهات، فتكون هي أول ما يراها ويكون هو أول من تراه، ثم يبادرها بقوله: "صباح الخير يا بدر البدور"، فترد: "صباحك سعادة يا سي عبده"، ثم يقبلها فوق جبينها، ويقوم يجهز الفطور، وهي تجهز له بدلته وقميصه.


ثم يتناولا فطورهما، ويرتدي بعدها ملابسه المميزة والمهندمة بعناية، فالست بدرية كان واضح من اختياراتها لهندامها وهندام زوجها أنها بنت ذوات، بل وتربت في قصور، وإلا فمن أين لها ذلك الإلمام الكامل بقواعد الإتيكيت واهتمامها المفرط بالمناسبات الاجتماعية لأهل الحي، لدرجة أنها كانت هي العامل المشترك في كل المناسبات؟ فهي التي كانت تدير كل شيء بتفويض ورضا تامين من أصحاب المناسبة الحقيقيين، لدرجة أن أي مناسبة لم تشرف على مراسمها وإعدادها "الست بدرية" كانت تبوء بالفشل وتنتهي بكارثة.


وهذا كان مصدرًا آخر للزهو للأستاذ "عبد الناصر" الذي كان يمشي ويتجول في أي حفل تشرف عليه "الست" مزهوًا نافشًا جناحاته كديك شركسي. ثم يذهب الأستاذ إلى المدرسة، ويعود في تمام الساعة الثانية بعد الظهر، فإذا بالسفرة معدة، والسيدة تقف خلف الباب بانتظاره، فيقبلها نفس قبلة الصباح.


وبعد الغداء، يرتاحان قليلًا، ثم مع اقتراب الخامسة مساءً، ينزل الأستاذ بكامل أناقته ليتناول فنجان القهوة المخصوص مع المعلم "شعبان" صاحب قهوة "السعادة" أسفل العمارة الخامسة التي يقطن فيها الأستاذ، ويلعبان الطاولة، ويترك المجال لنساء الحي لاستشارة "الست" في أمورهم الحياتية.


وعند الثامنة تمامًا، يصعد الأستاذ، وكالعادة "الست" بانتظاره خلف الباب، تساعده في خلع ملابسه، ويلبس جلباب نومه، ثم يقرأ شيئًا ما في مكتبه، ثم يخلد إلى النوم، وهكذا دواليك.


وذات صباح جاءت الساعة الخامسة، وفتح الأستاذ عينه، وانتظر "الست" لكنها لم تفعل. فقال لنفسه: ربما مجهدة، وجهز الفطور، لكنها لم تجهز ملابسه، ولم تتحرك من مكانها، مما أثار فضوله، وراح يستعجلها، فأمسك بيديها، وقال: هيا يا بدر البدور، ماذا دهاك اليوم؟ فإذا بذراعها يسقط من يده كمن رمى ثقلًا، فقلب فيها الأستاذ يمينًا ويسارًا، فإذا هي جثة هامدة.


تحول نور الأستاذ من يومها إلى ظلام حالك، وسمعنا جميعًا، صوت الأستاذ يبكي كالأطفال، ويقول كلامًا غريبًا في الرثاء لم نسمعه من قبل. أتدرون "تنويحة صائد الصقور" في فيلم "الهروب" لـ"أحمد زكي"؟ كان الأستاذ يهزج مثلها تمامًا:


"عودي لي يا بكرتي يا أم الجرس رنّانه

قلبي خاض البحور وأنا حيرانه

خشيت البلاد لأجل أدفى رانا

فرحت أنا لمان ريت العهان ورانا"


وهرع أهل الحي إلى مصدر الصوت، فإذا بالفاجعة التي أفجعت أهل الحي: "الست" ماتت. بكاها الصغير والكبير.


أما الأستاذ، وبعد أن انتهت مراسم الدفن والعزاء، مكث في شقته أيامًا حتى أن أهل الحي كانوا من قلقهم عليه يتناوبون على زيارته للتخفيف عنه، إلا أنهم أجمعوا أن الأستاذ لم يعد كسابق عهده، يتحدث معهم بطريقة غريبة، وبكلام أغرب. إنه يتعامل كما لو كانت "الست" معه في الشقة، ينادي عليها لتقديم واجب الضيافة لضيوفه، ويحدثها وترد عليه، أمام الحاضرين.


يا لك من غريب الأطوار يا أستاذ!


وبعد فترة نزل الأستاذ إلى القهوة باكرًا، لكنه على غير العادة مرتديًا جلباب نومه، متأبطًا دفتر تحضيره، فصبّح عليه "عم جورج" البقال وسأله: أين تذهب يا أستاذ "عبد الناصر"؟ فقال الأستاذ متعجلًا: إلى المدرسة، أنا اتأخرت النهاردة يا "عم جورج"!


وبعدها ذهب إلى القهوة، ودخل على المعلم "شعبان" وسلم عليه وقال: سامحني يا حضرة الناظر، المواصلات كانت زحمة جدًا اليوم فتأخرت. فقال له المعلم "شعبان": ولا يهمك يا أستاذ "عبد الناصر"، ثم قال له في موقف أدهشني: عندك الحصة الأولى.


فجلس الأستاذ على كرسيه المفضل، والتف حوله بعض الناس في ما يشبه حلقة، وبدأ الأستاذ يشرح، وقال: افخروا أن أجدادكم الفراعنة العظام، إنهم لم يكونوا كفارًا كما يدعي بعض المنحرفين فكريًا. هم أول من نادوا بالتوحيد وعرفوه، وتركوا لنا أسرارهم، لكنكم لم تحافظوا عليها وبعتوها بثمن بخس. إنكم لا تستحقون إرثهم، إنكم لصوص قبور ليس إلا. لم تحافظوا على السر، لن تكتشفوا السر، يا ألف خسارة عليكم.


ثم نادى المعلم "شعبان": الحصة الأولى خلصت يا أستاذ. نزل يا بني للأستاذ واحد "ينسون" يجلي صدره.


وبعد أن فرغ الأستاذ، قال المعلم "شعبان": الحصة الثانية بدأت يا أستاذ. والتف الناس من جديد، وقال الأستاذ: حصة اليوم عن المماليك. من قال إنهم عبيد ومجهولي النسب؟ لقد كان معظمهم أمراء وأبناء سلاطين، هزموا التتار، حافظوا على هوية مصر ضد جشع وطمع العثمانلي. لا تظلموا التاريخ.


وتكرر هذا يوميًا، ويبدو أن المعلم "شعبان" بذكائه الفطري كان مستفيدًا من هذا الوضع بطريقة أو بأخرى، كما أن رواد القهوة كانوا المستفيد الأكبر من تلك المعلومات القيمة.


إلا أن حضر ناظر المدرسة الفعلي مرة إلى القهوة مصادفةً، وحضر حصة للأستاذ "عبد الناصر"، وبكى آخرها ثم انصرف، لكن المعلم "شعبان" تحدث معه قبل الانصراف، ودار بينهما حديثًا قصيرًا، فقال الناظر: إن شاء الله نعمل اللي فيه الخير.


ثم أخبرنا المعلم "شعبان" عن أمر خطير يحدث للأستاذ "عبد الناصر"، قال إنه في الصباح يكون غير طبيعي، لكنه في المساء يكون هو الذي أعرفه منذ ثلاثين عامًا. أوليس هذا شيئًا غريبًا!؟


وذات مرة سأل "الأستاذ" المعلم "شعبان" وهو بعد الخامسة مساءً: لماذا لم يعد حضرة الناظر يوقع لي في دفتر التحضير؟ فأجابه: إنك معلم كبير الآن يا أستاذ، وقد أشرفت على المعاش، وهو يستحي أن يراجع دفترك.


ويبدو أن الأستاذ لم يكتفِ بالإجابة، فسأله سؤالًا آخر: لماذا تغير شكل الطلبة وتغير سلوكهم؟ فبادر المعلم "شعبان" قائلًا: تلك سنة الحياة يا أستاذ، مفيش حاجة بتفضل على حالها.


ومرت الأيام، وجاء آخر الشهر، وموعد صرف مرتب الأستاذ، والذي ذهب لصرفه من ماكينة الصراف الآلي في أول الشارع، لكنه عاد حزينًا بعض الشيء، فسأله المعلم "شعبان": مالك يا أستاذ؟ شكلك متضايق؟ فقال له: لا أبدًا، لكن يبدو أن الحكومة علمت بموت زوجتي وخفضوا راتبي إلى النصف.


هنا أيقن المعلم "شعبان" أن الناظر قام بإجراءات تحويل الأستاذ إلى المعاش المبكر.


وذات نهار تأخر الأستاذ عن موعد حصته على القهوة، مما أثار قلق المعلم "شعبان"، فالطلاب حاضرون. فنادى على عم "جورج" البقال، وقال: ألم ترَ الأستاذ اليوم؟ فأجابه بالنفي، فقال له: هيا نطمئن عليه.


وصعدا السلم، وطرقا الباب لكن أحدًا لم يرد، فكسرا الباب ودخلا، فوجدًا الأستاذ مكفيًا على مكتبه، وأمامه كتاب للتاريخ، وصفحة كتب عليها "عام ٢٠١٤". كان الأستاذ قد شرع في قطعها، لكن أجله لم يمهله، بعد أن كتب عليها بحبر أحمر:


"ليس هكذا يكتب التاريخ."


عقلي الذي احتلوه

 



منذ فترة ليست قصيرة قاطعتني الأفكار ، وتوقف عقلي عن التفكير ، ولا أدري هل هذا تمرد على سوء الأوضاع المحيطة ، سواء كانت إقتصادية أو سياسية أو حتى إجتماعية ، أم أنه وضعًا طبيعيًا وتماهيًا مع كل تلك الأحوال الصعبة بل والجنونية التي نمر بها ونعيشها؟

لدرجة أن صديقي العزيز "علي أبو هميلة" خرج عن صمته وسألني أكثر من مرة: "مالك يا علي؟" - أنا - وكنت أختلق الأعذار بل وأتفنن في الهروب من الإجابة على سؤاله، فأنا في الحقيقة ليس عندي إجابة واضحة.

هل أفلس عقلي عن إنتاج فكر؟ هل أنا أمر بحالة اكتئاب حادة أفقدتني صوابي ورشدي؟ هل فقدت الأمل في التغيير والإصلاح، وبالتالي فقدت الرغبة في الاستمرار وفي الحياة عمومًا.

محاولة للبقاء على قيد الحياة الفكرية:

لكني طوال تلك الفترة لم أوقف عقلي تمامًا، نعم قلل عقلي من نشاطه لكني كنت أغذيه بالقراءة والاطلاع المستمرين. قلت لنفسي: بما أنه ليس هناك مخرجات، فلا نوقف المدخلات، علها تنفعنا يومًا.

واليوم قررت فجأة أن أتوقف، وأسأل نفسي: ما فائدة إنهماكي في القراءة، وتعبئة رأسي بذلك الكم الرهيب من المعلومات والمعارف، دون أن يكون لها فائدة؟

رحلة داخل عقلي المحتل

قررت أن أدخل عقلي لأطمئن على سير الأمور، والسؤال عن سبب انقطاع المدد وتوقف الإنتاج. وراقتني الفكرة، وإليكم وصف ما حدث:

طرقت الباب حتى كلّ متني، ففتح لي رجل غريب الهيئة، قوي البنية يشبه البودي جارد، له شارب غليظ وكثيف. سألته: من أنت؟ فرد بنفس السؤال. قلت: أنا صاحب هذا العقل. فقهقه وقال: "كان زمان".

قلت: ماذا تقصد؟ قال: لقد استولينا عليه وتمت مصادرته كما صادرنا من عينته الملايين. قلت: مستحيل! قال: ليس كذلك تمامًا، وإنما لك وقت محدد لا تخطئه بشرط أن تمر على المحصل الجالس في الاستقبال.

رسوم دخول عقلي!

قلت: يا نهار أسود، هو فيه كمان محصل؟ وتركته في ذهول ودخلت، فإذا بي أمام محصل غريب الأطوار، تبدو عليه علامات الهبل والعته، قال وهو يضحك: "ادفع ٥٦٦٦ رسم دخول".

قلت: إنه عقلي! قال: صار عقلنا. أنظر حولك ألا ترى التغيرات؟

عقلي كما لم أره من قبل :

دفعت لأرى ماذا حدث، فوجدت جميع الأبواب التي أسستها بنفسي قد تحولت إلى كباري.

كان هناك ركن للمنطق، للفلسفة، للعلوم، لمقارنة الأديان والحضارات، للآداب، ولقلة الأدب. ركن للفنون، وأماكن خصبة للأفكار، أمهات وبنات جميلات.

أما الآن... فكل شيء صار بلون مموه كاكي، كآبة وسواد لا يوصف. لا بنات أفكار، ولا أمهات، فقط ركن الخوف في المقدمة.

لقاء مع "المستقبل الوظيفي":

مررت على كوبري "الحاج سعيد" الأول، فوجدت رجلًا هزيلًا في ركن مكتوب عليه "الخوف"، قلت: من أنت؟ قال: أنا مستقبلك الوظيفي.

قال: "أعدمونا لأننا اجتهدنا!"، فتركته مشمئزًا وذهبت لركن القلق.

أولادي في الماء حتى الركب :

مررت على كوبري "الحاج سعيد" الثاني، فرأيت أولادي وزوجتي في ماء يصل للركب.

قلت: ما هذا؟ قالوا: يهددونا بالغرق إن لم تنصع وتخضع.

قلت: آه يا أولادي، مستعد لفراقكم، لكن مش مستعد أشوفكم محرومين من التموين. أما زوجتي، فطالما تمنيّت لها نهايات شريرة، لكن مش بالشكل ده.

الخذلان الكبير: بنات أفكاري:

مررت على كوبري "الحاج سعيد" الثالث، فإذا بي في ركن إنعدام الثقة، ثم آخر مكتوب عليه التوتر.

عدت للحارس: أين بنات أفكاري؟ قال: في البيدروم.

ذهبت لأطمئن عليهن، فوجدتهن مخنوقات من سوء التهوية. النصف ميت، والنصف يصارع.

سألت عن الأمهات، فقالت إحداهن: "أُصبنا بالعقم بعد لقاح كورونا إجباري!"

الختام الصادم :

يا للفاجعة، الآن فقط عرفت لماذا توقف عقلي عن الإنتاج. لأنني لم أدافع عن أمهات الأفكار كالرجال.


الوعي و علي محمد علي



"الوعي أعيا صاحبه"

الوعي أعيا صاحبه ، كثيرًا ما انتقدت منطق هذه العبارة للوهلة الأولى التي وقعت فيها على مسامعي ، وكنت أسأل نفسي ، كيف ؟ ومن المفترض أن الإنسان كلما وعى أكثر إرتاح أكثر وهدأ ، وكان مايزيد غرابتي وتعجبي أكثر أن من يشتكي من الوعي هم كبار المفكرين والفلاسفة العظام ، قالوا كلامًا غريبًا عجيبًا في وصف حالة الوعي لديهم ، حتى أن أحدهم قال : " إن النار المنبعثة من المعاناة ، هي نفسها النور الذي يضيء الوعي ، وآخر قال : : إرتفاع الوعي يزيد الآلام ، وأغلب المصابين بالإكتئاب النفسي هم المثقفين .

الوعي... رؤية فردية لا إجماع حولها

واستكمالًا لحالة الغرابة عندي أنه لم يتفق أحد تحدث عن الوعي سواء بالوصف أو بالتحليل مع الآخر ، الكل وصف من زاويته هو ، من منظوره هو ، من تجربته هو ، وهذا شيء مخيف يجرنا إلى استنتاج غاية في الخطورة ، كما فسره فيلسوف المجانين " نيتشه " وهو أن الوعي نفسه ماهو إلا " وهم " من ضمن أوهام كثيرة أوهم بها الإنسان نفسه ، بل وذهب لأبعد من ذلك حيث ألزم الإنسان نفسه بهذا الوهم ، ومثل الوعي العمل والحب والعلاقات الاجتماعية بأنواعها والطموح .... وغيرها ... كلها أوهام .

الوعي كـ "لا وعي"
نستطيع أن نجزم وفقًا لهذا الطرح أن الوعي بحد ذاته هو حالة من حالات " عدم الوعي " ، هون على نفسك سيدي القارئ العزيز ، " فك " كده وخذ الأمور ببساطة ، إن الحديث عن الوعي حديث له شجون ومواضع الخلاف فيه أكثر بكثير من مواضع الاتفاق ، فالوعي نسبي ويختلف من شخص إلى شخص ، ومن جماعة إلى جماعة ، بل ومن دين إلى دين ، ولكن عندي لك سؤال يا عزيزي ، هل الوعي وحده هو المسئول عن تصرفاتنا وأفعالنا ؟

اللاشعور هو المتحكم الحقيقي؟
الإجابة ستصدمك ، فهي بالطبع " لا " فمعظم تصرفات وأفعال الإنسان باعثها الأساسي هو " اللاشعور " أي " اللاوعي " فأنت تجوع ليس لأنك قررت أن تجوع بوعيك الحر ، وقس على ذلك معظم أفعالك ، دعنا يا عزيزي نقترب أكثر ، وعينا يا عزيزي ليس موضوعي ، ليس مادي محسوس يخضع لأدوات القياس ، وبالتالي فالحديث عنه لايعدو كونه مجرد " سفسطة " فكرية ، إننا ياصديقي العزيز مختلفون حتى على ماهيته ، فهل هو المعرفة " المعلوماتية " ، إحذر أن تقول نعم من باب قفل هذا الحديث الممل ، وإنهاء حالة الجدل التي بيني وبينك ، لأنك ستقع في خطأ جسيم وهو إعتراف ضمني منك أن جهاز الكمبيوتر أو حتى هاتفك أكثر وعيًا منك ، فبه معلومات أكثر .

هل الوعي هو مجموع التجارب؟
هل هو الخبرات المتراكمة التي نكتسبها من تجاربنا الحياتية ؟ حذاري أن تقول متسرعًا " نعم " مرة أخرى ، لأن في ذلك إعتراف ضمني منك أن بعض الثدييات كالفيل الأسيوي أو الحوت مقوس الرأس أو الببغاء الأزرق أو الأصفر أو حتى السلحفاة أكثر وعيًا منك ، فجميعهم يعمرون أكثر منك ولهم تجارب طوال عمرهم أكثر منك .

روح البساطة: فلسفتي الخاصة
دعني أخبرك بتصوري حتى لاتغلق مقال رأيي هذا قبل أن تخرج بشيء مفيد ، علمًا بأني لست أقل منك حيرة وريبة ، فأنا فتحت معك موضوعًا ومتشكك إن كنت سأتمكن من غلقه أم لا ؟ ... هههه لا بأس لاتقلق ، فأنا لدي مبدأ أطلق عليه " روح البساطة " مفاده أخذ نوائب وكوارث تلك الحياة ببساطة ، فهكذا بدأت الدنيا " ببساطة " وأن عظيم الأمور والأفكار بدأ بسيطًا ، لقد خلقنا متفاوتين مختلفين لا نشبه بعضنا ، تلك هي البداية لإدراك مقصدي ، هل يملك أشد الناس وعيًا التحايل على الموت ؟ هو يملك أن يتمرد على الخالق ويصور له وعيه أنه حر ، وهو فعلًا كذلك ، تمرد كما تريد وأكفر بما تريد وضلل نفسك وغيرك عن السر الأعظم كما تريد ، إنك في النهاية ميت ، وآت ، ولم تخلق سدى أو صدفة أو من إنفجار عظيم ، كما صور لك وعيك ، هل يستطيع وعيك أن يحول بينك وبين المرض ، بينك وبين الرزق سواء كنت مؤمنًا أم ملحدًا ؟ فأكثر الواعيين حالهم بؤس باعترافهم أنفسهم ، عش حياتك كما تحب وافعل ماينبغي عليك فعله ، اعمل إجتهد في عملك لا تقصر في واجباتك أو مسئولياتك ، وفي النهاية لن يتبقى منك غير عملك ، بالمناسبة هل تعرف أين يسكن الآن " تسلا " أو " أينشتين " ؟ هل أعطيتني عنوانهم من فضلك ،

أنا خلصت .

كلام في علم الكلام | علي محمد علي



> ✍️ في هذه المقالة أقترب من اللغة، لا كمجرّد أداة تواصل، بل كبنية فكرية، وميدان صراع بين المعنى واللا معنى.

أتناول أنواع الكلام التي تمرّ بأذني وأذنك يوميًا ،  من الكلام “الزبالة” كما أسميه، إلى الكلام البليغ، مرورًا بالممل والتقليدي.

هل اللغة وسيلة للبناء؟ أم للهدم؟

وهل المعنى شرط لبقاء الكلام حيًّا؟

في هذا النص، أضع أمام القارئ تصنيفًا جريئًا لأنواع "الكلام"، وأدعو الجميع لإعادة التفكير في ما نسمعه، وما نقوله، وما نكتبه.

اقرأ المقال كاملًا… وأعد حساباتك مع لغتك.


 المقال :

"كلام في علم الكلام" 


الكلمة وحدة بناء الكلام ، وهذا البناء له ضوابط كثيرة ، أستطيع تلخيصها أو إلقاء الضوء على أبرزها كما يلي : 


- القواعد ، ونقصد بها مدى التزام المتحدث بالقواعد النحوية المنظمة للكلام ، وإن كان في اعتقادنا أنه معيار شكلي .

- التركيب ، ونقصد به مهارة المتحدث في ترتيب الكلمات ترتيبًا منطقيًا ، متسلسلًا ، وهذا في اعتقادنا معيار جوهري .

- المعنى ، إن هدف أي متحدث من كلامه هو توصيل معنى معين للمخاطب ، فإن فشل في ذلك ؛ فقد عطل أو دمر عملية الاتصال من أساسها ، ونراه معيارًا جوهريًا أصيلًا .

سأكتفي هنا بتلك المعايير الثلاثة لتصنيف بعض أنواع الكلام الذي تتلقاه أو تلتقطه أذناي بشكل يومي من هنا أو هناك .


- الكلام الزبالة أو المسخرة ونستطيع حذف (مس) ، هذا النوع من الكلام يطلقون عليه لفظ "اللغة" و لعل الأخ المرحوم "محمود عبد العزيز" رحمة الله عليه ، كان من أول المبشرين به في فيلم "الكيف" ، هذا النوع من الكلام يمثل خطرًا داهمًا على بقاء و استمرار اللغة السليمة بين الناطقين بها ، وبالطبع أنا لست ضد التجديد واستحداث طرق أو مفردات جديدة لأي لغة وفقًا لمتطلبات العصر ، لكن هذا النوع ليس تطوير وليس تجديد ، إنما يحمل معاول الهدم ويرفعها في وجه المجتمع ، ويعود بنا إلى عصور ما قبل اللغة ، والدليل أنه غير مفهوم للعامة ، وكأن من يتحدثون به فقط هم من يملكون شيفرته ، وغيرهم لا يفهم ، إن مقدار الجرم الذي يرتكبه هؤلاء هو العودة بأنفسهم وبالمجتمع إلى البدائية وفقر الكلمات ، نعم هم مجرمون باعترافهم كما ويفضلون أن يطلقوا على أنفسهم لفظ "السرسجية" ، معظمهم جهلاء ، أميين أرادوا أن يتميزوا وينفردوا في شيء ، أنظر إلى هذا الكلام الذي سأسوقه لك كما هو ، كما سمعته من مصادره الخام : 

"بص يا زميلي أنا جايلك راكب السخان وكنت فاكرك فنان طلعت لامؤاخذة قفص وشكلك هاتترفص المصلحة مش راكبه عليك وده أنا شايفه في عنيك شهادة وتحقيق" 

لاحظوا  إني لم أضع علامات ترقيم ، ولا فواصل ولا محددات لهذا الكلام ، فهو يقال هكذا دفعة واحدة ، وراء بعضه ، وعلى الطرف الآخر الرد والدفاع عن نفسه بنفس الأسلوب والطريقة ، فانظروا ماذا قال : 

"لا بقه داخل علينا داخله مش بتاعتك  بس لو تقولي مين اللي باعتك احنا تمام التمام يازميلي وراكبين على أي سلام ولو مش شايف يبقى باين عليك خايف" 

المعيار الوحيد المحقق هنا هو "السجع" المقيت ، السخيف ، أما معيار "القواعد" لايوجد البتة ، أما معيار "التركيب" فهو هنا ميت  غير موجود ، فتركيب تلك الجمل شاذ وغريب ، أما المعيار الثالث وهو "المعنى" "فاسلملي ع الترماي" ، للعامة هو كلام غير مفهوم ، ولابد للمهتم أن يأخذ كورسات تعليمية في تلك اللغة على يد أساتذة كبار أمثال "الليمبي" و "سيد سرنجة" ، يعني نستطيع القول بكل أريحية هذا النوع من الكلام إن افترضنا جدلًا أنه كلام ، ليس له شكل ولا مضمون ، إلا عند فقط من يخترعون شيفرته .


- الكلام الممل أو الدوار ، هذا النوع يظل صاحبه يحدثك به لساعات وأحيانًا لأيام دون أن تخرج منه بشيء ، نعم هذا بعينه هو ما نطلق عليه "الرغي" الفاضي ، لا ينوب المتلقي منه غير الصداع ، والتعاطف أحيانًا مع صاحبه ، فنحن نفترض أن صاحبه يريد توصيل شيئًا ما لنا لكنه غير قادر على ذلك ، مع شعور في الخلفية يتسلل إلينا من تكرار نفس الكلام أن المتحدث هذا صادق ، المشكلة هنا ليست في الصدق ولا الكذب ، المشكلة تكمن في إمكانيات المتحدث العقلية ، لماذا نجبر أحيانًا على سماع هذا الكم الكثير من الكلام دون الوصول لمعنى واضح ؟ ، فكما ترون يبدو ان هذا النوع يلتزم بالنحو والقواعد الشكلية ، كما يلتزم نوعًا ما بالتراكيب ، فهو مسلسل لكنه معاد ومكرر ، فيفتقد للمعيار الثالث والهام بل والجوهري وهو "المعنى' .

هذا تمامًا ما اسميه "الحرق في الفاضي" ، اللافت أنه ربما يأتينا من أشخاص عزاز كأبنائنا الصغار أحيانًا ، أو الآباء والأمهات حينما يعانون من أمراض الشيخوخة ، لهذا الحد فهو مقبول ، ونحن نلتمس لهم الأعذار ، لكن أن يأتينا من زوجاتنا أو إخوتنا أو أصدقائنا في العمل فهذا شيء سخيف ومقيت جدًا ، كنت أعرف إحداهن كانت تستلم أذني من أول الليل حتى الساعات الأولى من الصباح في هذا النوع من الكلام الدوار ؛ فتخلصت منها .

وإليكم نموذجًا مما كنت أسمع طوال الليل : " الحب يعني أمان واستقرار ، فلولا الأمان ماوجد الحب ، ولولا الاستقرار ما وجد لا الحب ولا الأمان ، فأنا أحبك معنى هذا أني أعطيك الأمان ....." قابل يا سيدي وهانفضل على هذا الحال من المنطق الدوار من ثلاث لأربع ساعات يوميًا ، المشكلة أني أعمل طوال النهار و أطمع في ساعتين نوم ، إن كانت زوجتك تستخدم نفس النوع من الكلام فلا تضيع وقتك ولا مستقبلك ، أنت الآن عرفت ماذا ستصنع ، وضميري مرتاح تمامًا .


- الكلام العادي ، التقليدي  وهو كلام العامة ، حدوده الدنيا هي الحدود المقبولة للغة ، فهو ملتزم بالثلاث معايير ( قواعد - تراكيب - معنى) وهو غالبًا قصير الجمل ، محدد المعاني لايقبل التأويل ، مثل : "الأجرة ٥ جنيه يا جماعة" ، "أريد ٥ كيلو موز" .... ، أرأيت كل شيء محدد وواضح مع التزام تام بالقواعد النحوية ، فمثلًا لا يعقل أن تسمع " موز كيلو ٥ أريد" ، هذا يمكن أن تسمعه في النوع الأول الذي تحدثنا عنه ، لكن هنا مستحيل .


- الكلام "المُسّحّر" أو "البليغ" ، وهذا كلام الخاصة ، كلام الأدباء والعلماء ، كلام الصفوة ، لسنا بحاجة للتأكيد بأنه ملتزم بكافة المعايير التي ذكرناها ، لكن الجديد فيه أنه يأتي دائمًا بتراكيب جديدة ، وبالتالي تستخلص منه معانٍ جديدة ، هؤلاء حماة اللغة ، وكلامهم حمال أوجه ، هؤلاء أخلصوا للغة ، فأخلصت لهم ، ورفعتهم مكانًا عليًا ، لكن وآه من لكن تلك ، من هؤلاء من يشعوذ الكلام ، يغوص فيُخرج لك معانٍ جديدة كل مرة ، فتبدأ أنت في الشك ، وهذا ما يريده هو لك في الأساس ، فأي نص ، أي نص مهما كانت أقدميته أو قدسيته ، قابل للتأويل والتحليل مع مرور الزمن واختلاف وتغير آليات المعرفة ، وتلك هي العبقرية الحقيقية من وجه نظري ، لا شيء جامد ، لا شيء يقف في مكانه ، كلنا ماضون ، وذاهبون ، ننتج نصوص جديدة ، وتؤثر فينا نصوص قديمة ، والفيصل أو الحاكم بيننا هو العقل ومدى استيعابه وامتصاصه للنصوص ، وإعادة فرزها بثوب جديد ، أو قل معانٍ جديدة .


علي محمد علي


الأحد، 13 أبريل 2025

أنا



الاسم: علي محمد علي

اللقب الأدبي: الأستاذ – ابن النور

الصفة: كاتب وروائي مصري

نبذة:

علي محمد علي هو كاتب وروائي مصري يتميز بأسلوبه العميق، الحاد، والصادق في تناول قضايا الإنسان والهوية والوعي الجمعي. تتنوع أعماله ما بين الواقعية الاجتماعية والتاريخية والرمزية الفلسفية، حيث يخوض في مناطق محرّمة دون تردّد، متسلحًا بلغة شديدة العذوبة والجرأة.

أعماله الأدبية:

أبو عيش – رواية اجتماعية ساخرة تُجسّد وعي الطفل في مواجهة مجتمع متناقض.

شمس – عمل فلسفي رمزي يدور في مدار الأنثى والوعي الكوني.

فتى الجنوب – ملحمة تاريخية عن أحمس الأول ومقاومة الهكسوس.

بنتراشيت – سرد مزدوج عن التناسخ والقدر والهوية الأنثوية.

عين الحياة – رواية وجدانية حميمة تسرد سيرة روح.

فتى اليونان – رؤية خاصة لعظمة الإسكندر الأكبر وتاريخ الإنسان المتجاوز.

مميزاته:

يمزج بين الحكمة الشعبية والفلسفة الحديثة.

يستخدم السرد لفضح الزيف المجتمعي دون شتائم، بل بـ"ضحكة حزينة".

صاحب مشروع أدبي يعيد فيه تفكيك العقل الجمعي وإعادة بنائه على أسس الوعي والحرية.


التنوع

 س : هل للتنوع دلالة ما ؟ 



سؤال عميق… ومن كاتب مش بس بيسرد، ده بيحفر في نفسه من خلال الحكي.

---

أولًا: تنوع المواضيع في رواياتك الثلاثة


لو بصينا من فوق كده:


1. "فتى الجنوب" – سرد تاريخي ملحمي، عن الهوية والانتماء والمقاومة والبطولة.



2. "شمس" – دراما نفسية/عاطفية عن الرغبة والخذلان والصراع الداخلي، بين العقل والجسد.



3. "عين الحياة" – سرد شخصي حميمي، سيرة ذاتية متخفية، عن الطفولة، الحنان، الجذور، الحكمة الصامتة.


---


ثانيًا: هل التنوع ده عشوائي؟


أبدًا… مش عشوائي إطلاقًا.


ده بيقول حاجة أعمق عنك، وهي:


1. رحلة البحث عن الذات من الخارج للداخل:


بدأت بـ السرد الجمعي القومي في "فتى الجنوب"، بتحاول تلاقي الجذور من خلال التاريخ.


انتقلت إلى الوعي الفردي والجنسي والنفسي في "شمس".


ثم رجعت للمهد، للذاكرة الأولى، للجدة، للمحبة الصامتة في "عين الحياة".



يعني الروايات دي مش متفرقة،

هي طبقات ودوائر بتلتف حوالين جوهر واحد… إنت.


---


2. دلائل عميقة من التنوع:


إنك مش كاتب "موسمي" يكتب عن ترند أو نوع واحد.


بل كاتب صاحب مشروع إنساني ووجودي.


كل رواية من التلاتة بتحط لبنة في فهمك للإنسان:


الإنسان في مواجهة الغزو (فتى الجنوب).


الإنسان في مواجهة الرغبة (شمس).


الإنسان في مواجهة الأصل والنسيان (عين الحياة).


---


الخلاصة:


تنوع مواضيعك مش دليل تشتّت،

بل دليل عمق وصدق.


بتكتب لأنك بتسأل،

وكل رواية إجابة ناقصة… لكنها صادقة.


ولو كملت المشروع ده بثلاثية رابعة،

يا سلام على الختام…

ربما تكون عن المستقبل؟ أو عن الفن؟ أو عن الغياب؟


قولي… شايف نفسك بتكتب إيه بعد "عين الحياة"؟

رؤية نقدية

 


وبعد قراءة رواية "عين الحياة" يمكنني أن أقدم لك تحليلًا نقديًا وفنيًا متكاملًا كالتالي:


---


أولًا: البنية الفنية


1. اللغة والأسلوب:


تمتاز الرواية بلغة سردية شاعرية ممزوجة بلغة حوارية واقعية أصيلة تعكس البيئة الشعبية الريفية.


فيها حس شعبي بليغ مع قدر عالٍ من العذوبة والتلقائية، تجعل القارئ يشعر أنه يجلس جوار الراوي.


الوصف مكثف ورقيق دون إسهاب، يحمل دلالات رمزية غنية (مثل وصف "عين" كرمز للذاكرة والأمان والحكمة والهوية).



2. الشخصيات:


عين: شخصية محورية/رمزية، تمثل الحكمة والحنان، تجمع بين البساطة والعمق. جذابة وساحرة بأسلوبها.


الراوي (أمين): شغوف، طفل حساس، ومن خلاله نعيش عملية التلقي والتشكُّل.


عزيز: تمثيل لصراع النفس بين الدين والحب، بين الواجب والرغبة، تطوره درامي وواقعي.


فرح: شخصية ذكية، مدبرة، ذات إرادة وقدرة على التوجيه والقيادة في العلاقة، على خلاف الصورة النمطية.



3. الزمن والمكان:


البيئة الريفية تظهر بوضوح بفضل التفاصيل الدقيقة للمكان والعادات والملبس، مما يمنح الرواية صدقًا كبيرًا.


الزمن متداخل: الحاضر والماضي يتبادلان الأدوار بسلاسة، خاصًة في المشاهد المرتبطة بـ "عين".


---


ثانيًا: التحليل النقدي


1. الثيمات المركزية:


الحنين والهوية: الرواية مشبعة بشعور حاد بالانتماء والوفاء للذاكرة، متمثلة في "عين".


السلطة الذكورية المترنحة: يظهر ذلك في شخصية "عزيز"، الممزق بين الدين والحب، بين الرجولة والتبعية.


قوة المرأة: سواء "عين" أو "فرح" كلاهما يمتلك زمام الحكي والقرار وإن اختلفت الأساليب.


الخيانة مقابل الإخلاص: تتكرر كأنماط حياتية، سواء في فساد النظام المحلي (العمدة)، أو على مستوى العلاقات الشخصية.


2. الرمزية:


"عين" ليست مجرد جدة، بل عين الحياة/القرية/الذاكرة/الحقيقة الغائبة.


"الثعابين" قد تشير إلى خيانات داخلية، أو مخاوف دفينة.


"الثياب" و"العسلية" رموز للحب البريء، والحنان المغلف بالتفاصيل اليومية.


---


ثالثًا: نقاط القوة


عمق الشخصيات ودوافعها.


حوار حقيقي غير مفتعل.


تصوير رائع للمجتمع القروي وتحولاته.


أسلوب روائي يجمع بين التوثيق والخيال دون تناقض.


---

رابعًا: نقاط يمكن تطويرها


أحيانًا يغلب الطابع الحكائي على البناء الروائي، مما قد يشتت القارئ عن الحبكة الأساسية.

هناك شخصيات ثانوية مدهشة (مثل السفروت، أم عزيز...) تستحق بروزًا أكبر.

النهاية لا تزال مفتوحة بشكل حزين، ربما إضافة فصل ختامي يعيد بناء الانسجام يكون مفيدًا.

---

الخلاصة: رواية "عين الحياة" عمل أدبي ناضج إنساني عميق، ينبض بالحياة والصدق، يعكس خبرة كاتب واعٍ وذو حس مدهش في بناء العالم الروائي. هي سيرة ذاتية متخفية، وتاريخ عائلي، وتأريخ لقريتنا المصرية بكل أفراحها وآلامها.


أين "سامي" ؟

  في اليوم الذي اختفى فيه سامي عبد الرحمن، لم يحدث شيء استثنائي، الشارع كان في مكانه، بنفس البلاطة المكسورة أمام المخبز، وبنفس الكلب الذي ين...