الأستاذ عبد الناصر رجل يحمل التاريخ في طيات عقله، ويحمله التاريخ في ملئ عيونه. معلم من طراز فريد، له أسلوبه الخاص جدًا والمميز في توصيل ونقل المعلومات، حيث تنساب من فمه كأنها نهر متدفق يجري بتؤدة ورزانة؛ فتنزل على مسامع مريديه سهلة وبسيطة وممتعة.
لم تكن حصته مثل باقي الحصص مملة يغالب بعض الطلاب في منتصفها النعاس، بل كانت منذ انطلاقها وحتى توقفها كأنها فيلم مصور باحترافية شديدة. الكلمات منمقة ومختارة بعناية في تسلسل غريب، تجبرك كل كلمة على تتبع وتعجل ما بعدها.
كما كان رحيمًا، إنسانيته تسمو به إلى درجة القديس لا المعلم. كان أبًا عطوفًا لكل طلابه رغم عدم إنجابه، كان يحظى باحترام الصغير قبل الكبير. هو لا شك عندي رجل جاء من عالم آخر غير عالمنا.
يعيش في شقته في الدور الخامس من العمارة الخامسة من مجمع مساكن حيّنا الشعبي، مع زوجته الرقيقة "الست بدرية" كما كان يناديها دائمًا. وزوجة معلمنا كانت سيدة كأنها تشبهه كثيرًا، إلا أنها بيضاء، ذلك البياض الرائق الذي إذا دققت فيه قليلًا ربما ترى صورتك في وجهها. وكانت طويلة، ممشوقة، رشيقة رغم تقدمها في السن، لكن صوتها توقف عند مرحلة الطفولة، ما أن تسمعه حتى تشعر بالدفء والحنان، وأن صاحبة هذا الصوت قريبة جدًا منك، ربما أختك أو أمك.
وهي كانت للأستاذ كل أقاربه، فكانت أخته وأمه وزوجته وابنته. كل حديثه خارج التاريخ كان عنها، حتى أنه صنع لها تاريخًا خاصًا بها، وأزعم أنه ألف فيها كتبًا. كثيرًا ما حكى لنا الأستاذ باستمتاع وربما نشوة الفاتحين يومياته مع "الست بدرية"، حيث كانت ساعتهم البيولوجية توقظهما معًا في تمام الساعة الخامسة، دون منبهات، فتكون هي أول ما يراها ويكون هو أول من تراه، ثم يبادرها بقوله: "صباح الخير يا بدر البدور"، فترد: "صباحك سعادة يا سي عبده"، ثم يقبلها فوق جبينها، ويقوم يجهز الفطور، وهي تجهز له بدلته وقميصه.
ثم يتناولا فطورهما، ويرتدي بعدها ملابسه المميزة والمهندمة بعناية، فالست بدرية كان واضح من اختياراتها لهندامها وهندام زوجها أنها بنت ذوات، بل وتربت في قصور، وإلا فمن أين لها ذلك الإلمام الكامل بقواعد الإتيكيت واهتمامها المفرط بالمناسبات الاجتماعية لأهل الحي، لدرجة أنها كانت هي العامل المشترك في كل المناسبات؟ فهي التي كانت تدير كل شيء بتفويض ورضا تامين من أصحاب المناسبة الحقيقيين، لدرجة أن أي مناسبة لم تشرف على مراسمها وإعدادها "الست بدرية" كانت تبوء بالفشل وتنتهي بكارثة.
وهذا كان مصدرًا آخر للزهو للأستاذ "عبد الناصر" الذي كان يمشي ويتجول في أي حفل تشرف عليه "الست" مزهوًا نافشًا جناحاته كديك شركسي. ثم يذهب الأستاذ إلى المدرسة، ويعود في تمام الساعة الثانية بعد الظهر، فإذا بالسفرة معدة، والسيدة تقف خلف الباب بانتظاره، فيقبلها نفس قبلة الصباح.
وبعد الغداء، يرتاحان قليلًا، ثم مع اقتراب الخامسة مساءً، ينزل الأستاذ بكامل أناقته ليتناول فنجان القهوة المخصوص مع المعلم "شعبان" صاحب قهوة "السعادة" أسفل العمارة الخامسة التي يقطن فيها الأستاذ، ويلعبان الطاولة، ويترك المجال لنساء الحي لاستشارة "الست" في أمورهم الحياتية.
وعند الثامنة تمامًا، يصعد الأستاذ، وكالعادة "الست" بانتظاره خلف الباب، تساعده في خلع ملابسه، ويلبس جلباب نومه، ثم يقرأ شيئًا ما في مكتبه، ثم يخلد إلى النوم، وهكذا دواليك.
وذات صباح جاءت الساعة الخامسة، وفتح الأستاذ عينه، وانتظر "الست" لكنها لم تفعل. فقال لنفسه: ربما مجهدة، وجهز الفطور، لكنها لم تجهز ملابسه، ولم تتحرك من مكانها، مما أثار فضوله، وراح يستعجلها، فأمسك بيديها، وقال: هيا يا بدر البدور، ماذا دهاك اليوم؟ فإذا بذراعها يسقط من يده كمن رمى ثقلًا، فقلب فيها الأستاذ يمينًا ويسارًا، فإذا هي جثة هامدة.
تحول نور الأستاذ من يومها إلى ظلام حالك، وسمعنا جميعًا، صوت الأستاذ يبكي كالأطفال، ويقول كلامًا غريبًا في الرثاء لم نسمعه من قبل. أتدرون "تنويحة صائد الصقور" في فيلم "الهروب" لـ"أحمد زكي"؟ كان الأستاذ يهزج مثلها تمامًا:
"عودي لي يا بكرتي يا أم الجرس رنّانه
قلبي خاض البحور وأنا حيرانه
خشيت البلاد لأجل أدفى رانا
فرحت أنا لمان ريت العهان ورانا"
وهرع أهل الحي إلى مصدر الصوت، فإذا بالفاجعة التي أفجعت أهل الحي: "الست" ماتت. بكاها الصغير والكبير.
أما الأستاذ، وبعد أن انتهت مراسم الدفن والعزاء، مكث في شقته أيامًا حتى أن أهل الحي كانوا من قلقهم عليه يتناوبون على زيارته للتخفيف عنه، إلا أنهم أجمعوا أن الأستاذ لم يعد كسابق عهده، يتحدث معهم بطريقة غريبة، وبكلام أغرب. إنه يتعامل كما لو كانت "الست" معه في الشقة، ينادي عليها لتقديم واجب الضيافة لضيوفه، ويحدثها وترد عليه، أمام الحاضرين.
يا لك من غريب الأطوار يا أستاذ!
وبعد فترة نزل الأستاذ إلى القهوة باكرًا، لكنه على غير العادة مرتديًا جلباب نومه، متأبطًا دفتر تحضيره، فصبّح عليه "عم جورج" البقال وسأله: أين تذهب يا أستاذ "عبد الناصر"؟ فقال الأستاذ متعجلًا: إلى المدرسة، أنا اتأخرت النهاردة يا "عم جورج"!
وبعدها ذهب إلى القهوة، ودخل على المعلم "شعبان" وسلم عليه وقال: سامحني يا حضرة الناظر، المواصلات كانت زحمة جدًا اليوم فتأخرت. فقال له المعلم "شعبان": ولا يهمك يا أستاذ "عبد الناصر"، ثم قال له في موقف أدهشني: عندك الحصة الأولى.
فجلس الأستاذ على كرسيه المفضل، والتف حوله بعض الناس في ما يشبه حلقة، وبدأ الأستاذ يشرح، وقال: افخروا أن أجدادكم الفراعنة العظام، إنهم لم يكونوا كفارًا كما يدعي بعض المنحرفين فكريًا. هم أول من نادوا بالتوحيد وعرفوه، وتركوا لنا أسرارهم، لكنكم لم تحافظوا عليها وبعتوها بثمن بخس. إنكم لا تستحقون إرثهم، إنكم لصوص قبور ليس إلا. لم تحافظوا على السر، لن تكتشفوا السر، يا ألف خسارة عليكم.
ثم نادى المعلم "شعبان": الحصة الأولى خلصت يا أستاذ. نزل يا بني للأستاذ واحد "ينسون" يجلي صدره.
وبعد أن فرغ الأستاذ، قال المعلم "شعبان": الحصة الثانية بدأت يا أستاذ. والتف الناس من جديد، وقال الأستاذ: حصة اليوم عن المماليك. من قال إنهم عبيد ومجهولي النسب؟ لقد كان معظمهم أمراء وأبناء سلاطين، هزموا التتار، حافظوا على هوية مصر ضد جشع وطمع العثمانلي. لا تظلموا التاريخ.
وتكرر هذا يوميًا، ويبدو أن المعلم "شعبان" بذكائه الفطري كان مستفيدًا من هذا الوضع بطريقة أو بأخرى، كما أن رواد القهوة كانوا المستفيد الأكبر من تلك المعلومات القيمة.
إلا أن حضر ناظر المدرسة الفعلي مرة إلى القهوة مصادفةً، وحضر حصة للأستاذ "عبد الناصر"، وبكى آخرها ثم انصرف، لكن المعلم "شعبان" تحدث معه قبل الانصراف، ودار بينهما حديثًا قصيرًا، فقال الناظر: إن شاء الله نعمل اللي فيه الخير.
ثم أخبرنا المعلم "شعبان" عن أمر خطير يحدث للأستاذ "عبد الناصر"، قال إنه في الصباح يكون غير طبيعي، لكنه في المساء يكون هو الذي أعرفه منذ ثلاثين عامًا. أوليس هذا شيئًا غريبًا!؟
وذات مرة سأل "الأستاذ" المعلم "شعبان" وهو بعد الخامسة مساءً: لماذا لم يعد حضرة الناظر يوقع لي في دفتر التحضير؟ فأجابه: إنك معلم كبير الآن يا أستاذ، وقد أشرفت على المعاش، وهو يستحي أن يراجع دفترك.
ويبدو أن الأستاذ لم يكتفِ بالإجابة، فسأله سؤالًا آخر: لماذا تغير شكل الطلبة وتغير سلوكهم؟ فبادر المعلم "شعبان" قائلًا: تلك سنة الحياة يا أستاذ، مفيش حاجة بتفضل على حالها.
ومرت الأيام، وجاء آخر الشهر، وموعد صرف مرتب الأستاذ، والذي ذهب لصرفه من ماكينة الصراف الآلي في أول الشارع، لكنه عاد حزينًا بعض الشيء، فسأله المعلم "شعبان": مالك يا أستاذ؟ شكلك متضايق؟ فقال له: لا أبدًا، لكن يبدو أن الحكومة علمت بموت زوجتي وخفضوا راتبي إلى النصف.
هنا أيقن المعلم "شعبان" أن الناظر قام بإجراءات تحويل الأستاذ إلى المعاش المبكر.
وذات نهار تأخر الأستاذ عن موعد حصته على القهوة، مما أثار قلق المعلم "شعبان"، فالطلاب حاضرون. فنادى على عم "جورج" البقال، وقال: ألم ترَ الأستاذ اليوم؟ فأجابه بالنفي، فقال له: هيا نطمئن عليه.
وصعدا السلم، وطرقا الباب لكن أحدًا لم يرد، فكسرا الباب ودخلا، فوجدًا الأستاذ مكفيًا على مكتبه، وأمامه كتاب للتاريخ، وصفحة كتب عليها "عام ٢٠١٤". كان الأستاذ قد شرع في قطعها، لكن أجله لم يمهله، بعد أن كتب عليها بحبر أحمر:
"ليس هكذا يكتب التاريخ."