منذ فترة ليست قصيرة قاطعتني الأفكار ، وتوقف عقلي عن التفكير ، ولا أدري هل هذا تمرد على سوء الأوضاع المحيطة ، سواء كانت إقتصادية أو سياسية أو حتى إجتماعية ، أم أنه وضعًا طبيعيًا وتماهيًا مع كل تلك الأحوال الصعبة بل والجنونية التي نمر بها ونعيشها؟
لدرجة أن صديقي العزيز "علي أبو هميلة" خرج عن صمته وسألني أكثر من مرة: "مالك يا علي؟" - أنا - وكنت أختلق الأعذار بل وأتفنن في الهروب من الإجابة على سؤاله، فأنا في الحقيقة ليس عندي إجابة واضحة.
هل أفلس عقلي عن إنتاج فكر؟ هل أنا أمر بحالة اكتئاب حادة أفقدتني صوابي ورشدي؟ هل فقدت الأمل في التغيير والإصلاح، وبالتالي فقدت الرغبة في الاستمرار وفي الحياة عمومًا.
محاولة للبقاء على قيد الحياة الفكرية:
لكني طوال تلك الفترة لم أوقف عقلي تمامًا، نعم قلل عقلي من نشاطه لكني كنت أغذيه بالقراءة والاطلاع المستمرين. قلت لنفسي: بما أنه ليس هناك مخرجات، فلا نوقف المدخلات، علها تنفعنا يومًا.
واليوم قررت فجأة أن أتوقف، وأسأل نفسي: ما فائدة إنهماكي في القراءة، وتعبئة رأسي بذلك الكم الرهيب من المعلومات والمعارف، دون أن يكون لها فائدة؟
رحلة داخل عقلي المحتل
قررت أن أدخل عقلي لأطمئن على سير الأمور، والسؤال عن سبب انقطاع المدد وتوقف الإنتاج. وراقتني الفكرة، وإليكم وصف ما حدث:
طرقت الباب حتى كلّ متني، ففتح لي رجل غريب الهيئة، قوي البنية يشبه البودي جارد، له شارب غليظ وكثيف. سألته: من أنت؟ فرد بنفس السؤال. قلت: أنا صاحب هذا العقل. فقهقه وقال: "كان زمان".
قلت: ماذا تقصد؟ قال: لقد استولينا عليه وتمت مصادرته كما صادرنا من عينته الملايين. قلت: مستحيل! قال: ليس كذلك تمامًا، وإنما لك وقت محدد لا تخطئه بشرط أن تمر على المحصل الجالس في الاستقبال.
رسوم دخول عقلي!
قلت: يا نهار أسود، هو فيه كمان محصل؟ وتركته في ذهول ودخلت، فإذا بي أمام محصل غريب الأطوار، تبدو عليه علامات الهبل والعته، قال وهو يضحك: "ادفع ٥٦٦٦ رسم دخول".
قلت: إنه عقلي! قال: صار عقلنا. أنظر حولك ألا ترى التغيرات؟
عقلي كما لم أره من قبل :
دفعت لأرى ماذا حدث، فوجدت جميع الأبواب التي أسستها بنفسي قد تحولت إلى كباري.
كان هناك ركن للمنطق، للفلسفة، للعلوم، لمقارنة الأديان والحضارات، للآداب، ولقلة الأدب. ركن للفنون، وأماكن خصبة للأفكار، أمهات وبنات جميلات.
أما الآن... فكل شيء صار بلون مموه كاكي، كآبة وسواد لا يوصف. لا بنات أفكار، ولا أمهات، فقط ركن الخوف في المقدمة.
لقاء مع "المستقبل الوظيفي":
مررت على كوبري "الحاج سعيد" الأول، فوجدت رجلًا هزيلًا في ركن مكتوب عليه "الخوف"، قلت: من أنت؟ قال: أنا مستقبلك الوظيفي.
قال: "أعدمونا لأننا اجتهدنا!"، فتركته مشمئزًا وذهبت لركن القلق.
أولادي في الماء حتى الركب :
مررت على كوبري "الحاج سعيد" الثاني، فرأيت أولادي وزوجتي في ماء يصل للركب.
قلت: ما هذا؟ قالوا: يهددونا بالغرق إن لم تنصع وتخضع.
قلت: آه يا أولادي، مستعد لفراقكم، لكن مش مستعد أشوفكم محرومين من التموين. أما زوجتي، فطالما تمنيّت لها نهايات شريرة، لكن مش بالشكل ده.
الخذلان الكبير: بنات أفكاري:
مررت على كوبري "الحاج سعيد" الثالث، فإذا بي في ركن إنعدام الثقة، ثم آخر مكتوب عليه التوتر.
عدت للحارس: أين بنات أفكاري؟ قال: في البيدروم.
ذهبت لأطمئن عليهن، فوجدتهن مخنوقات من سوء التهوية. النصف ميت، والنصف يصارع.
سألت عن الأمهات، فقالت إحداهن: "أُصبنا بالعقم بعد لقاح كورونا إجباري!"
الختام الصادم :
يا للفاجعة، الآن فقط عرفت لماذا توقف عقلي عن الإنتاج. لأنني لم أدافع عن أمهات الأفكار كالرجال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق