في اليوم الذي اختفى فيه سامي عبد الرحمن، لم يحدث شيء استثنائي، الشارع كان في مكانه، بنفس البلاطة المكسورة أمام المخبز، وبنفس الكلب الذي ينام عند ناصية العمارة منذ سنوات، حتى السماء لم تحاول أن تكون درامية؛ غائمة بلا مطر، كأنها تؤدي واجبها فقط.
سامي نفسه لم يكن رجلًا يلفت الانتباه، موظف حسابات في شركة متوسطة، يحفظ أرقامًا أكثر مما يحفظ وجوه الناس، يعرف مواعيد الخصومات، ولا يعرف أسماء جيرانه، حين يمر بجانبك في السلم، قد تلقي عليه السلام، وقد لا تلاحظ أنه مر أصلًا.
في الثامنة إلا ربع، خرج من شقته وأغلق الباب مرتين، الأولى بدافع العادة، والثانية بدافع الشك.
توقّف لحظة، كأنه يحاول تذكّر شيء، ثم هزّ رأسه ومشى، لا أحد رآه بعدها.
البلاغ لم يُقدَّم في اليوم نفسه، زوجته افترضت أنه تأخر في العمل، رئيسه افترض أنه مريض، صديقه الوحيد افترض أنه “محتاج يبعد شوية”، الافتراضات كانت مريحة للجميع.
بعد ثلاثة أيام، بدأت الأسئلة، أسئلة هادئة، مهذبة، لا تتهم أحدًا، من النوع الذي لا يوقظ الضمير، بل يمرّ بجانبه ويعتذر.
في التحقيق، سُئل الجيران:
– هل لاحظتم شيئًا غير طبيعي؟
قالوا لا، وكانوا صادقين.
قالت السيدة في الطابق الثاني إنها سمعته يغلق الباب كالمعتاد، وقال الرجل في الأول إنه رآه ينزل السلم وهو ينظر في هاتفه،
لا صراخ.
لا شجار.
لا أثر.
حتى الكلب عند الناصية لم ينبح.
في المحضر كُتب:
“لا توجد شبهة جنائية حتى الآن.”
جملة مطمئنة، تحبها الجهات الرسمية، ويحبها الناس أكثر،لأنها تعني شيئًا واحدًا:
لا داعي للتورّط.
بعد أسبوع، ظهرت أول إشارة غريبة، تحويل بنكي صغير، بلا معنى تقريبًا، خرج من حساب سامي بعد اختفائه بيومين، المبلغ لا يكفي للهروب، ولا يكفي للفضيحة، ولا يكفي حتى ليكون لغزًا جيدًا، لكن المحقق توقف عنده، ليس لأنه دليل، بل لأنه غير مبرَّر.
(لا أحد ينتبه للأشياء الصغيرة)
في اليوم التاسع لاختفاء سامي عبد الرحمن، أعادت زوجته ترتيب المطبخ، لم يكن فعلًا رمزيًا، كانت تبحث عن مساحة، البيت حين يختفي أحد سكانه، لا يتّسع…
يضيق ببطء، كأن الجدران تقترب خطوة خطوة.
رمت كوبًا مكسورًا، وملعقة بلا قرين، وورقة قديمة مكتوب عليها رقم هاتف بلا اسم.
توقفت عند الورقة لحظة، فكرت أن تحتفظ بها، ثم فكرت: وليه؟
فرمتها.
القمامة كانت ممتلئة، ضغطت عليها قليلًا…وأغلقت الغطاء.
في نفس اليوم، قرر المحقق محمود أن يؤجل ملف سامي، ليس لأنه انتهى، بل لأنه لم يبدأ فعلًا.
الملفات التي لا تصرخ تُركَن على الرفوف السفلية، هناك، حيث لا أحد ينحني كثيرًا.
قال لنفسه:
“لما يظهر جديد.”
وكان يعرف -من خبرته- أن “الجديد” لا يظهرإلا إذا أصرّ أحد على البحث، ولا أحد كان مُصرًّا.
صديق سامي الوحيد، والذي لم يُسأل رسميًا، فكّر في الاتصال بالمحقق، مسك الهاتف، فتح سجل المكالمات، رأى اسم سامي…آخر اتصال منذ أسبوعين، تردد.
قال لنفسه:
“أكيد هم عارفين أكتر مني.”
وأغلق الهاتف.
في الشركة، أُعيد توزيع مكتب سامي، لم يكن قرارًا إداريًا كبيرًا،
احتاجوا للكرسي، والدرج، ومكان بجوار الشباك.
قال المدير:
“نخلّص الشغل.”
ولم يقصد قسوة، كان يقصد النظام.
التحويل البنكي الصغيرلم يُتابَع، ليس لأنه غير مهم، بل لأنه غير واضح.
الأشياء الواضحة تُطارَد، الأشياء الغامضة تُؤجَّل، ثم تُنسى.
وفي المساء، جلس رجل لا يعرف سامي يشاهد نشرة الأخبار، مرّ خبر اختفاء شخص في الشريط السفلي، اسم عادي، صورة غير واضحة.
فكّر لثانية:
“غريبة.”
ثم غيّر القناة.
الاختفاء لا يحدث دفعة واحدة، هو تواطؤ هادئ بين التعب، والانشغال، والمنطق المعقول.
لا أحد قال:
“فلنتركه يختفي.”
لكن الجميع قال - كلٌ بطريقته -
“ليس الآن.”
(ما تبقّى بعد الاختفاء)
بعد ستة أشهر، أُغلق ملف سامي عبد الرحمن رسميًا، القرار لم يحتج اجتماعًا، توقيع واحد، وختم أزرق، وجملة معتادة:
“لعدم كفاية الأدلة.”
الملف دخل الأرشيف، مكان بارد،
منظّم، لا يُدان أحد.
زوجته باعت الشقة بعد عام، لم تبكِ وهي توقّع العقد، كانت قد أنهت البكاء قبل ذلك بوقت طويل.
البكاء مثل الأسئلة، له صلاحية محدودة.
في الشقة الجديدة،لم يكن هناك بلاطة مكسورة، ولا كلب عند الناصية، ولا باب يُغلق مرتين،
كانت البداية نظيفة… بلا أثر.
المحقق محمود
نقل إلى قسم آخر،في يومه الأخير، مرّ بعينيه على الملفات القديمة، توقف ثانية عند اسم سامي، لم يتذكر وجهه، تذكر فقط شعورًا خفيفًا بأنه كان يمكن أن يفعل أكثر، الشعور لم يكتمل، رنّ الهاتف، وانتهت الثانية.
التحويل البنكي الصغيرظل بلا تفسير، لم يظهر سامي ليسحبه، ولم يظهر أحد ليطالب به.
المال -مثل الحقيقة - حين لا يطالب به أحد، يفقد معناه.
بعد سنوات،جلس شاب في مقهى
يقرأ كتابًا، الرواية كانت عادية في ظاهرها، اختفاء شخص، تحقيق،لا نهاية حاسمة.
حين أغلق الكتاب، شعر بعدم ارتياح، ليس لأن القصة حزينة،
بل لأنها لم تتهم أحدًا.
فكّر:
“طب وبعدين؟”
لم يجد إجابة.
دفع الحساب.
وخرج.
في الشارع، مرّ بجانب رجل
كان يمكن - نظريًا - أن يكون سامي.
نفس الطول، نفس الانحناءة الخفيفة في الكتفين.
تردد لحظة.
ثم أكمل طريقه.





