الجمعة، 23 مايو 2025

ولا كل "الباميات"

 


(ولا كل إللي اتقمعت بامية)


ما الذي جعلني أفتح الثلاجة تحديدًا في هذا التوقيت؟

هل كانت نداءات البطن أم صرخات الروح؟

لا أدري… لكنني وجدتها هناك، علبة بلاستيكية بغطاء غير محكم، بها باميا يبدو أنها عاشت أكثر مما ينبغي في وحدتها.

نظرت إليها نظرة حانية، كأنني أعتذر لها على الإهمال، ثم همست:

"أنا آسف، بس هانقذك النهاردة."

غسلت وجهي دون نية حقيقية للاستيقاظ،

ثم توجهت إلى المطبخ كمن يُنفذ مهمة ثأر قديم.

أخرجت البصلة، فرمقتها…

هل أبكي عليها أم أبكي بها؟

ثم قطعتها كما تقطع الأيام في دفاتر الذكرى.


وضعت الزيت، وانتظرت "الطشطشة" المقدسة،ثم نزلت بالبصل…

صوت البصل في الزيت له رهبة، كأنه أول اعتراف في جلسة تحقيق،

وبعده الثوم، ثم الطماطم…

أيوه الطماطم، صغيرة ومستديرة زي دمعة حزينة نزلت مرة من عيني وأنا بفكر في اللي كان.


ثم جاءت اللحظة الفارقة…

فتحت كيس الباميا،

وقبل أن أنزل بها في القدر، سألت نفسي سؤالًا وجوديًا:

"هل الحياة تستحق أن تُطبخ؟ أم تُؤكل نيّة؟"


نزلت بالباميا كمن ينزل آخر ورقة في لعبة “كوتشينة” خاسرة،

وقلبت الخليط بقلب نصفه في الطبيخ والنصف الآخر في الذكرى.


بعد ما سبكت الخليط، بدأت أفكر،

ليه الناس بتستصغر الباميا؟

ليه لما نقول “بامية” يضحكوا؟

مع إن البامية دي زي الناس الهادية…

مش بتعمل دوشة،

بس تقعد في القلب كتير.

قعدت على الأرض، زي ما كانت أمي بتقعد، فرشت الجريدة، وسخّنت رغيفين، ومديت إيدي على الطبق.

أول ملعقة كانت كأنها “تاريخ”، مش أكل.

ريحة الثوم، وطعم الكسبرة الناشفة،

وحنيّة الزيت عاللسان، قالتلي:

"اتفضل يا بُني… إحنا كنا مستنيينك."

في اللحظة دي، شفت أمي وهي بتضحك، وأبويا وهو بيهزر،

وإخواتي وهم بيتخانقوا على القطعة اللي فيها العضمة.

ما أوجع الذكرى لما تيجي على ريحة أكل.

كأني مش بأكل ، كأني صفّيت الوجع في طبق، وشربته بالمعلقة.


وأقسمت بعدها أن كل الباميات اللي فاتت ما كانتش باميا، دي كانت تجارب طهي فاشلة، النهاردة…

أنا طبخت نفسي


لما خلّصت، غسلت الصحون بهدوء،

ومسحت الرخامة وكأني بمسح تعب سنين.

رجعت قعدت في الصالة، وشغلت لمبة خفيفة، وقعدت أبص في السقف وأسأل:

"هو أنا بطبخ؟

ولا بحاول أفتكر؟

ولا بقول لنفسي: أنا لسه هنا، ولسه عايش؟"

وبس…

هنا خلصت البامية،

بس ما خلصتش الحكاية.

لأنك أول ما تحط راسك على المخدة،

هاتسمع السؤال جاي يهمس:


"هتطبخ إيه المرة الجاية؟

ولا كل الباميات كانت كفاية؟"


الاثنين، 19 مايو 2025

"قطة المطار" - قصة قصيرة


 
كانت بينهما علاقة ليس لها مثيل ، لا تشبه أيًا من العلاقات ... لا هي بين بشرٍ وبشر، ولا بين إنسان وحيوان. بل علاقة فيها شيء من العِشرة، وشيء من الحب، شيء من الذوبان في الآخر،  شيء من التواطؤ الهادئ على أن الحياة دون الآخر لا معنى لها، لاشك كان ما بينهمًا به كثيرًا من الغموض.

كان إذا عاد للبيت، تجدها على عتبة الباب كأنها الحنين نفسه وقد تَجسَّد. تهرول نحوه، تلتف حول قدميه، وتطلق مواءً لا يشبه الجوع، بل يشبه العتاب الدافئ. وكان يربّت على رأسها كمن يطمئن قلبًا، لا فروًا، ها أنا قد عدت يا حبيبتي،تمد جسدها على صدره حين يتمدد، وتدفن رأسها أسفل ذقنه، ويغفو هو على أنفاسها… وكأنها معشوقته لا قطته.

وحين جاء يوم السفر، لم تكتفِ العائلة بوضعها في ركن، بل حملوها معهم إلى المطار—كأنهم يدرون أن هذا الكائن لن يحتمل الفُقد وحده. جلست في حضن الأم، بعينين واسعتين تتابع وجهه، وتحاول أن تحفظ قسماته جيدًا، كأنها تخزّنها للصبر القادم.

وحين ناداهم النداء، وقف، ابتسم، لوّح… ولم تدرِ القطة أن هذه المرة لن تكون كالمرات السابقة.

نسوها.

في المطار، بعد أن غابت الطائرة، بقيت وحدها. بحثت عن رائحتهم، عن صوته، عن موطئ قدمه، عن أي ظلٍّ منه. لكن لا أحد.

ثم بدأت الرحلة—لا إلى بيت، بل إلى العراء.

قطط الشوارع لا ترحم. بعضها يعضّ من الجوع، وأحيانًا من الغيرة، وبعضها من قسوة تعلمها من البشر. وكانت هي "نظيفة"، مختلفة، غريبة. وكل ما هو غريب في الشارع يُضرب أو يُرعب أو يهان.

ظهر عنتر.

ذلك القط الضخم، بعينٍ مشروخة وذيل معقوف، اعتاد فرض سلطته على الجميع. راودها عن نفسها، رفضت. عرض عليها الطعام، الأمان، المأوى. لكنها رفضت ، كانت تنتظر… كانت على عهد مع صاحبها.

لم يتحمّل الرفض، ففكر ودبر ، وتوعد وتجبر ، فصنع منها غنيمة. بمساعدة قطة تُشبهها في الهيئة، وتخالفها في الجُبن، دبّر لها خيانة. دعتها إلى مأوى مؤقت غلظت لها الأيمان أنه آمن، ولا يستطع المدعو عنتر الوصول إليه، ثم تركتها وحدها. وفجأة، ظهر من العدم عنتر فانقضّ على المسكينة. قُيّدت بمخالب مارد، وكُتم مواؤها البريء للأبد، اغتصبها بلا رحمة ذاك الوغد الشقي في ظلام لا يرى فيه أحد سوى الخذلان.

ومن بعدها… لم تعد كما كانت.

تمشي بخوف، تنام بعين واحدة، ولا تأمن أنثى أو ذكرًا. ومع كل ذلك، كانت تقف كل يوم على سور المطار، ترقُب الطائرات، وتُنصت لصوت هبوطها كأنها صلوات. تذهب إلى بوابة القادمين، تمشي بين الأرجل، تشمّ الحقائب، تبحث عن عطرٍ تعرفه.

تمرّ السنون، ويذوب الجسد. يبهت الفرو. تضيق العين. يضعف البصر،  وتظل هي… تنتظر.

وفي يومٍ غائم، طائرة تهبط. والناس تخرج، وقلبها يخرج معهم.

رأت خيالًا من بعيد. لم تعد تبصر بوضوح، لكن الطيف… الرائحة… الخُطى… كل شيء فيه صرخ بداخلها: هو.

قفز قلبها من مكانه. وتقدمت—بخطوات مرتجفة، مشتاقة، دامعة.

اقتربت… همّت أن تقفز بين ذراعيه…

لكنه كان يحمل قطة أخرى.

بيضاء، صغيرة، بكِر… لا تعرف الألم.

تسمرت.

تخشبت قدماها، وتجلّط الدم في عروقها.

لم تحتمل. القلب الذي انتظر، القلب الذي اغتُصِب، القلب الذي عذبته ذاكرة المطاردة والخذلان، توقف بهدوء، وبلا مواء.

هكذا، قررت أن ترحل دون أن يشعر بها أحد.

سلام لروحك للأبد.

الخميس، 8 مايو 2025

عين الحياة

 عين الحياة – رواية الأديب علي محمد علي


"عين الحياة" ليست مجرد رواية، بل نافذة على عالم غريب بين الحلم والواقع، حيث تختلط الرمزية بالحقيقة، والوجع بالحكمة.


في عمله الجديد، يكشف لنا الأديب علي محمد علي عن شخصية تبحث عن نفسها في مدينة تغلي بالتناقضات.

عين الحياة هي رحلة في الداخل… في المخاوف القديمة، والحنين إلى المجهول، والسؤال الأزلي: من أكون؟

بأسلوبه الساخر الحزين، ولغته المشبعة بالدهشة، يكتب المؤلف رواية تشبهه… ناعمة وقاسية، غريبة ومألوفة.


كلمات مفتاحية:

رواية عين الحياة

علي محمد علي

رواية مصرية

كتب عربية على أمازون

أدب رمزي

روايات جديدة 2025


رابط الرواية على أمازون:

:
https://www.amazon.com/dp/B0F72HBHV7

رواية شمس

 شمس – رواية الأديب علي محمد علي


"شمس" ليست مجرد اسم، بل رمز لكل ما يُراد له أن يُدفن في الظل.

في هذه الرواية اللافتة، يأخذنا الأديب علي محمد علي إلى عالم تتقاطع فيه السلطة بالخوف، والأنوثة بالمعرفة، والقدر بالتمرد.


شمس هي البطلة، والرمز، والسؤال المفتوح.

من بين الحارات القديمة والصراعات الخفية، تضيء الرواية أسئلة مؤجلة عن الجسد والحرية والهوية.

بأسلوبه الرمزي الجريء، يُعرّي الكاتب الواقع دون مباشرة، ويمنح القارئ شمسًا لا تغيب عن العقل بسهولة.


كلمات مفتاحية:

رواية شمس

علي محمد علي

أدب رمزي

روايات نسوية

روايات عربية جديدة

روايات على أمازون كيندل

كتب عربية إلكترونية


رابط الرواية على أمازون كيندل:

https://amzn.eu/d/8JxG8E0

السبت، 26 أبريل 2025

ولا كل اليخنات


 

هل تظن أن كل يخني... يخني؟

آه يا سيدي العزيز، لو تدري كم يخنة مرت عليّ دون أن تترك فيّ غير عسر هضم فلسفي!

اليوم، وأنا أجر خطاي المتهالكة عائدًا من العمل، وجدت نفسي واقفًا — بقدرة قادر — قدام بائع الخضار إياه، رافع أكمامه كأنه داخل معركة مصيرية مع الكوسة والبطاطس.

ابتسم لما شافني وقال وهو بيرص الكوسة:

"والله ورجلينا تقلت على الكوسة... يا أستاذ، عايزين فتوى منك نطبخها ولا نكتبها!"

فضحكت، وأنا أشاور على البطاطس.

مسك حباية منهم، قلبها في إيده كأنها خاتم ألماس وقال:

"تصدق يا أوستاذ ... الحباية دي كانت بتسأل عليّك امبارح، قالتلي وحشني أبو الأساتيذ!"

قلتله وأنا باداري ضحكتي:

ـ "يخرب عقلك... بطاطس إيه دي إللي بتسأل عليّ؟ ناقص تكتبلي جواب كمان!"

قهقه وقال:

"آه يا أستاذ، زمنك ده كله مقلوب... البطاطس بتتكلم، والكوسة بتخطب، والقرع بيحكم!، واليوم هاينقلوا السوق من مكانه"

أخذت حاجتي وأنا بقسم بالله في سري:

لو فضل الراجل ده يحكي، هأكتب عنه رواية اسمها "رجل يربّي الخضار على الكلام".

حدثتني نفسي :

لماذا لا أجرب أن أكون طاهياً ليخنة تُكتب في التاريخ؟

بعد مااشتريت ما تيسر، وحملت الغنائم، وعدت إلى مملكتي الصغيرة.

سلخت الكوسة سلخاً، وقطعت البطاطس تقطيعًا يليق بمجدها الغابر،

ورميت الفلفل فوق الجميع كما ترمى التوابل في ثورة جياع.

النار، تلك العاشقة القديمة، كانت تنتظرني بفارغ الصبر.

أشعلتها، ورقصت عليها القطع مبتهجةً...

كما ترقص الشعوب عندما تعدها الحكومات بفرج قريب!

وبينما كانت رائحة القِدر تتسرب إلى أرجاء المكان، وقفت أمامه متأملًا:

هل أنا الآن أطهو يخنة... أم أطهو نفسي؟

كل قطعة كوسة، كل بطاطساية مبطسطة، كل فلفلية مفلفلة،

كانت تشبه جزءًا مني:

كوسة تكاسلت عن حلم،

بطاطس سقطت في معركة عمر،

وفلفل حار أحرق لسان أملي ذات مرة.

وعلى نار هادئة اشتعل المزيج، وكأنه بيكتب لي ملحمة جديدة:

ملحمة "اليخنة اللي خدت حقها من الزمن."

وبين ملعقة وملعقة،

ابتسمت لنفسي…

مش كل اليخنات سواء،

ولا كل الخضار خضار،

ولا كل السخرية مرة…

فيه سخرية بطعم يخني أبو لهب…

وسخريتي النهاردة كانت بطعم يخني أبو فرحة!

آه، ما أشبهنا باليخنات،

نبدو متماسكين، لكننا خليط هش من طموحات مشوية وأحلام مسلوقة!

الجمعة، 25 أبريل 2025

إنسان

 

إنسان

أنا الوفرة
وأنا ما ندر وقل
أنا طفرة
أنا المعرفة والجهل
أنا الخائن والمغدور
أنا الظلمات والنور
أنا الماء  والخضار
و الرعد و الإعصار
في تكويني تضاد
فأحيانًا حصاد
وأحيانًا جراد
لا أحد يشبهني
ولا أشبه أحد
أينما وليت
يرافقني المدد
خليط غير ممل
فيه من كل شيء
   ... كأنه " كل "
تارة ناسك
وتارة فاسق
أملك ؛ وأكابد
وأحب وأمل من جديد
ولا أعرف لماذا بالتحديد ؟
لا شيء عندي عزيز
الكل طعمه لذيذ
وحينما أيأس
يشدني بقوة  مارد
إلى عالم بعيد 
وتتغير كل الأشياء
و أنسى من أنا
لأبدأ رحلة  شقاء
وأعود
أضحك 
وأعود
أحب من جديد
وأنا أعلم أني سأخان
أو أخون
وأعود كي أكون
مثقلًا بالأحزان
وأعود
أدعو وأتعبد
وأنا مدمن خمر
وأعود
لحلقات الذكر
وأنا أعلم أني شرير 
إلى متى ؟
سأظل حائراً في البحر
بلا بوصلة أو خط سير
فكل الأمواج تتشابه
أين مني  الشطآن
ألملم بقايا إنسان
ملعونة هي الكآبة
ملعونة هي الرتابة
متى أعود ؟
متى أعود ؟
اشتقت للإنسان 

الثلاثاء، 22 أبريل 2025

ولا كل الكبدات

 



أتذكرون السوق ؟ إنه يقطع طريق عودتي من عملي ، وأثناء عودتي مرهقًا قليلًا رأيت بائع اللحوم يقطع كبدة ويعبئها في أطباق ومن ثم يغلفها ويضعها في ثلاجة عرض ، فنسيت تعبي وإرهاقي وتذكرت إجابة ابنتي الكبرى عن سؤالي الوجودي في مقالي السابق "ولا كل الشكشوكات" فتسمرت قدماي ووقفت أمام البائع شارد الذهن قليلًا ، فبادر بسؤالي : أؤمر يا أبو الأساتيذ ، أجيبلك إيه ؟ فتنبهت وقلت بكام كيلو الكبدة النهاردة ؟ فقال : ١٦٠ جندي بس يا أستاذ ، فتلبستني روح المتمرس العارف بأنواع الكبد وقلت ، ودي مستوردة من أي بلد ؟ قال بلا تردد : برازيلي برازيلي يا أستاذ ، فضحكت وقلت : أكيد كانت بتلعب كورة ، ثم قلت للرجل لما وجدته لم يستحسن أفشتي : طيب يا حاج عبيلي طبق ب ١٠٠ جندي ، ثم أخذت الكبدة ومشيت غير مدرك حجم التوريطة التي ورطت بها نفسي ! وماذا بعد ؟ سرت ولا أنتوي أي شيء ، حتى توقفت قدماي مرة أخرى عند بائع الخضروات إياه ، وأكيد لسة فاكرينه ، هذا البائع المتنمر ، ذهبت و ناوي له على نية ، لكن بمجرد أن رآني تذكرني فابتسم ابتسامة مصرية صافية أطفأت نار نيتي له ، فابتسمت وقلت : إوزن كيلو بطاطس ، فضحك القهقة وقال : إنت لسة فاكرها يا أستاذ من المرة اللي فاتت ، دي شكلها كانت شغلاك أوي ، طيب ردوا إنتم بقه أعمل في الراجل ده إيه ؟ وبطاطس إيه إللي هابات الليل أفكر فيها وتشغلني وأنا بشارك في رسم سياسات ومتابعة تنفيذ عمل إدارة كاملة ، فقلت لنفسي : "اللهم إخزيك يا شوشو" ، وطبعا قرائي الأعزاء يعرفون جيدًا من هو "شوشو" ، فقلت بيني وبين نفسي : لابد أن أغير خطتي مع هذا المتنمر ، فبادرت بالرد : تخيل ما نمتش من التفكير فيها طول الليل ، لدرجة إني حلمت بيها ، فقال مسرعًا : وجاتلك بقه متحمرة ولا متقشرة ؟ قلت : جاتني عريانة ، فانفجر الرجل ضحكًا و سقط من يده كيس البطاطس ، ثم قال : وعملت معاها إيه يا أستاذ ؟ الله يخرب بيتك الراجل عاوز يصعد ويعلي ، قلت : أبدًا أنا لعبت معاها شوية و بعدين كلتها ، قال : بألف هنا وشفا على قلبك يا أستاذ ، إن شاء الله المرة الجاية تجيلك الكوسة ، فنظرت له نظرة أنا نفسي مش عارف معناها إيه ثم تركته وانصرفت ، و هنا تذكرت التوابل فاشتريت منها ووجدتني أتذكر الثوم وحزمة الشبت والكسبرة ، ما هذا ؟ هل كنت طباخًا في حياة سابقة ؟ من أين أتت لرأسي كل تلك الفتوحات ، ربما لأني كنت أراقب أمي جيدًا وهي تطبخ وأنا صغير ، فأمي كانت طهاية من نوع فريد ، يكفي أن تضع يدها في أي أكلة فتتحول إلى سحر و دواء يأخذك في عوالم افتراضية من الاستمتاع بالطعم ، أدامك الله يا أمي على رأسي حتى لو نسيتي قواعد الطبيخ ، الآن ليس لدي أي حجة ، وسرعان ما غسلت وقشرت وقطعت وسلقت ، كل هذا في وقت واحد تقريبًا وبالتوازي ، كما وكنت حريصًا جدًا على نظافة المطبخ حولي ، هكذا تعلمت من أمي ، وبعد دقائق لا أدري طالت أم قصرت بدأت أشم رائحة النضوج ، فقلت هنا كانت أمي تهدأ النار ففعلت ، والرائحة تتوغل وتتسرب داخل وخارج الشقة التي لم يوقد فيها نار منذ زمن بعيد ، فأخذت طبق صغير وغرفت قليلًا مما صنعت ، و سخنت رغيفان وتوكلت وسميت الله ، ما ألذ ما صنعت ، وما أشهى ما جنته يدي ، أكاد أجزم أنها أشهى أكلة أكلتها بعد أكلات أمي و شكشوكة أمس ، ويطل برأسه كالعادة كل مرة نفس السؤال الوجودي الأزلي ، هاطبخ إيه المرة الجاية ؟ 

أين "سامي" ؟

  في اليوم الذي اختفى فيه سامي عبد الرحمن، لم يحدث شيء استثنائي، الشارع كان في مكانه، بنفس البلاطة المكسورة أمام المخبز، وبنفس الكلب الذي ين...