السبت، 26 أبريل 2025

ولا كل اليخنات


 

هل تظن أن كل يخني... يخني؟

آه يا سيدي العزيز، لو تدري كم يخنة مرت عليّ دون أن تترك فيّ غير عسر هضم فلسفي!

اليوم، وأنا أجر خطاي المتهالكة عائدًا من العمل، وجدت نفسي واقفًا — بقدرة قادر — قدام بائع الخضار إياه، رافع أكمامه كأنه داخل معركة مصيرية مع الكوسة والبطاطس.

ابتسم لما شافني وقال وهو بيرص الكوسة:

"والله ورجلينا تقلت على الكوسة... يا أستاذ، عايزين فتوى منك نطبخها ولا نكتبها!"

فضحكت، وأنا أشاور على البطاطس.

مسك حباية منهم، قلبها في إيده كأنها خاتم ألماس وقال:

"تصدق يا أوستاذ ... الحباية دي كانت بتسأل عليّك امبارح، قالتلي وحشني أبو الأساتيذ!"

قلتله وأنا باداري ضحكتي:

ـ "يخرب عقلك... بطاطس إيه دي إللي بتسأل عليّ؟ ناقص تكتبلي جواب كمان!"

قهقه وقال:

"آه يا أستاذ، زمنك ده كله مقلوب... البطاطس بتتكلم، والكوسة بتخطب، والقرع بيحكم!، واليوم هاينقلوا السوق من مكانه"

أخذت حاجتي وأنا بقسم بالله في سري:

لو فضل الراجل ده يحكي، هأكتب عنه رواية اسمها "رجل يربّي الخضار على الكلام".

حدثتني نفسي :

لماذا لا أجرب أن أكون طاهياً ليخنة تُكتب في التاريخ؟

بعد مااشتريت ما تيسر، وحملت الغنائم، وعدت إلى مملكتي الصغيرة.

سلخت الكوسة سلخاً، وقطعت البطاطس تقطيعًا يليق بمجدها الغابر،

ورميت الفلفل فوق الجميع كما ترمى التوابل في ثورة جياع.

النار، تلك العاشقة القديمة، كانت تنتظرني بفارغ الصبر.

أشعلتها، ورقصت عليها القطع مبتهجةً...

كما ترقص الشعوب عندما تعدها الحكومات بفرج قريب!

وبينما كانت رائحة القِدر تتسرب إلى أرجاء المكان، وقفت أمامه متأملًا:

هل أنا الآن أطهو يخنة... أم أطهو نفسي؟

كل قطعة كوسة، كل بطاطساية مبطسطة، كل فلفلية مفلفلة،

كانت تشبه جزءًا مني:

كوسة تكاسلت عن حلم،

بطاطس سقطت في معركة عمر،

وفلفل حار أحرق لسان أملي ذات مرة.

وعلى نار هادئة اشتعل المزيج، وكأنه بيكتب لي ملحمة جديدة:

ملحمة "اليخنة اللي خدت حقها من الزمن."

وبين ملعقة وملعقة،

ابتسمت لنفسي…

مش كل اليخنات سواء،

ولا كل الخضار خضار،

ولا كل السخرية مرة…

فيه سخرية بطعم يخني أبو لهب…

وسخريتي النهاردة كانت بطعم يخني أبو فرحة!

آه، ما أشبهنا باليخنات،

نبدو متماسكين، لكننا خليط هش من طموحات مشوية وأحلام مسلوقة!

الجمعة، 25 أبريل 2025

إنسان

 

إنسان

أنا الوفرة
وأنا ما ندر وقل
أنا طفرة
أنا المعرفة والجهل
أنا الخائن والمغدور
أنا الظلمات والنور
أنا الماء  والخضار
و الرعد و الإعصار
في تكويني تضاد
فأحيانًا حصاد
وأحيانًا جراد
لا أحد يشبهني
ولا أشبه أحد
أينما وليت
يرافقني المدد
خليط غير ممل
فيه من كل شيء
   ... كأنه " كل "
تارة ناسك
وتارة فاسق
أملك ؛ وأكابد
وأحب وأمل من جديد
ولا أعرف لماذا بالتحديد ؟
لا شيء عندي عزيز
الكل طعمه لذيذ
وحينما أيأس
يشدني بقوة  مارد
إلى عالم بعيد 
وتتغير كل الأشياء
و أنسى من أنا
لأبدأ رحلة  شقاء
وأعود
أضحك 
وأعود
أحب من جديد
وأنا أعلم أني سأخان
أو أخون
وأعود كي أكون
مثقلًا بالأحزان
وأعود
أدعو وأتعبد
وأنا مدمن خمر
وأعود
لحلقات الذكر
وأنا أعلم أني شرير 
إلى متى ؟
سأظل حائراً في البحر
بلا بوصلة أو خط سير
فكل الأمواج تتشابه
أين مني  الشطآن
ألملم بقايا إنسان
ملعونة هي الكآبة
ملعونة هي الرتابة
متى أعود ؟
متى أعود ؟
اشتقت للإنسان 

الثلاثاء، 22 أبريل 2025

ولا كل الكبدات

 



أتذكرون السوق ؟ إنه يقطع طريق عودتي من عملي ، وأثناء عودتي مرهقًا قليلًا رأيت بائع اللحوم يقطع كبدة ويعبئها في أطباق ومن ثم يغلفها ويضعها في ثلاجة عرض ، فنسيت تعبي وإرهاقي وتذكرت إجابة ابنتي الكبرى عن سؤالي الوجودي في مقالي السابق "ولا كل الشكشوكات" فتسمرت قدماي ووقفت أمام البائع شارد الذهن قليلًا ، فبادر بسؤالي : أؤمر يا أبو الأساتيذ ، أجيبلك إيه ؟ فتنبهت وقلت بكام كيلو الكبدة النهاردة ؟ فقال : ١٦٠ جندي بس يا أستاذ ، فتلبستني روح المتمرس العارف بأنواع الكبد وقلت ، ودي مستوردة من أي بلد ؟ قال بلا تردد : برازيلي برازيلي يا أستاذ ، فضحكت وقلت : أكيد كانت بتلعب كورة ، ثم قلت للرجل لما وجدته لم يستحسن أفشتي : طيب يا حاج عبيلي طبق ب ١٠٠ جندي ، ثم أخذت الكبدة ومشيت غير مدرك حجم التوريطة التي ورطت بها نفسي ! وماذا بعد ؟ سرت ولا أنتوي أي شيء ، حتى توقفت قدماي مرة أخرى عند بائع الخضروات إياه ، وأكيد لسة فاكرينه ، هذا البائع المتنمر ، ذهبت و ناوي له على نية ، لكن بمجرد أن رآني تذكرني فابتسم ابتسامة مصرية صافية أطفأت نار نيتي له ، فابتسمت وقلت : إوزن كيلو بطاطس ، فضحك القهقة وقال : إنت لسة فاكرها يا أستاذ من المرة اللي فاتت ، دي شكلها كانت شغلاك أوي ، طيب ردوا إنتم بقه أعمل في الراجل ده إيه ؟ وبطاطس إيه إللي هابات الليل أفكر فيها وتشغلني وأنا بشارك في رسم سياسات ومتابعة تنفيذ عمل إدارة كاملة ، فقلت لنفسي : "اللهم إخزيك يا شوشو" ، وطبعا قرائي الأعزاء يعرفون جيدًا من هو "شوشو" ، فقلت بيني وبين نفسي : لابد أن أغير خطتي مع هذا المتنمر ، فبادرت بالرد : تخيل ما نمتش من التفكير فيها طول الليل ، لدرجة إني حلمت بيها ، فقال مسرعًا : وجاتلك بقه متحمرة ولا متقشرة ؟ قلت : جاتني عريانة ، فانفجر الرجل ضحكًا و سقط من يده كيس البطاطس ، ثم قال : وعملت معاها إيه يا أستاذ ؟ الله يخرب بيتك الراجل عاوز يصعد ويعلي ، قلت : أبدًا أنا لعبت معاها شوية و بعدين كلتها ، قال : بألف هنا وشفا على قلبك يا أستاذ ، إن شاء الله المرة الجاية تجيلك الكوسة ، فنظرت له نظرة أنا نفسي مش عارف معناها إيه ثم تركته وانصرفت ، و هنا تذكرت التوابل فاشتريت منها ووجدتني أتذكر الثوم وحزمة الشبت والكسبرة ، ما هذا ؟ هل كنت طباخًا في حياة سابقة ؟ من أين أتت لرأسي كل تلك الفتوحات ، ربما لأني كنت أراقب أمي جيدًا وهي تطبخ وأنا صغير ، فأمي كانت طهاية من نوع فريد ، يكفي أن تضع يدها في أي أكلة فتتحول إلى سحر و دواء يأخذك في عوالم افتراضية من الاستمتاع بالطعم ، أدامك الله يا أمي على رأسي حتى لو نسيتي قواعد الطبيخ ، الآن ليس لدي أي حجة ، وسرعان ما غسلت وقشرت وقطعت وسلقت ، كل هذا في وقت واحد تقريبًا وبالتوازي ، كما وكنت حريصًا جدًا على نظافة المطبخ حولي ، هكذا تعلمت من أمي ، وبعد دقائق لا أدري طالت أم قصرت بدأت أشم رائحة النضوج ، فقلت هنا كانت أمي تهدأ النار ففعلت ، والرائحة تتوغل وتتسرب داخل وخارج الشقة التي لم يوقد فيها نار منذ زمن بعيد ، فأخذت طبق صغير وغرفت قليلًا مما صنعت ، و سخنت رغيفان وتوكلت وسميت الله ، ما ألذ ما صنعت ، وما أشهى ما جنته يدي ، أكاد أجزم أنها أشهى أكلة أكلتها بعد أكلات أمي و شكشوكة أمس ، ويطل برأسه كالعادة كل مرة نفس السؤال الوجودي الأزلي ، هاطبخ إيه المرة الجاية ؟ 

حكايات مصرية ٣

 هنا القاهرة - شبه دولة المماليك 


هنا القاهرة عاصمة الخلافة العباسية ، وعاصمة السلطنة
المملوكية في ذات نفس الوقت ، أيوه زمبقولك كده  ، فبعد قتل التتار للمستعصم بالله آخر خلفاء العباسيين في بغداد ، ظلت الخلافة بلا خليفة لما يقرب من ثلاث سنوات ونصف تقريبًا ، حتى وصل المدعو " أحمد المستنصر بالله " في ظروف غامضة إلى القاهرة في شتاء عام ١٢٦١ م أثناء حكم السلطان الظاهر بيبرس وكان عمر المستنصر هذا وقتها يقارب ال ٣٥ عام ولا يعرف بالتحديد إن كان هذا المستنصر قد أتى ضمن مجموعة من عرب الحجاز الذين كانوا ينزحون إلى مصر بحثًا عن رغد العيش ضمن سلسة من هجمات النزوح الشرسة للعربان والتي كانت تتسم بالعنف والسطو والقلاقل التي كانوا يفعلونها أثناء تلك الفترة التي اتسمت بعدم الاستقرار في شبه الجزيرة العربية ، وقيل إيضًا في مجيئ المستنصر إلى مصر ، أنه جاء بناء على طلب من سلطان مصر الظاهر بيبرس ، وهنا يجب أن نتوقف قليلًا ، فبيبرس البندقداري كان سلطانًا قويًا ، حتى أن بعض المؤرخيين يعتبرونه سلطان المماليك البحرية الأول ، رغم شهرة سابقه " سيف الدين قطز " والدور العظيم الذي أداه في منازلة التتار وموقعة " عين جالوت " الشهيرة  _ وإن كان لي بعض التحفظ على تلك البروباجنده " المصاحبة لتلك المعركة الشهيرة " حيث أن المواجهة لم تكن مع جحافل التتار كما يدعون  ، بل قل مع فلول التتار وبقايا جيوشهم في منطقة الشام ، لأن " هولاكو "  في ذلك التوقيت إضطر للعودة إلى بلاده بعد قطع إبن عمه " بركة خان " طرق الإمداد عليه وعلى جيشه عقابًا له على مافعله بالخلافة العباسية في بغداد وبالإسلام رغم تحذيرات " بركة خان " ذو الميول الإسلامية له من عاقبة ذلك _ نعود لسبب وقفتنا عند تلك الواقعة ، إن سلطان المماليك يعلم جيدًا أنه " مملوك " وأنهم كانوا جميعًا بالأمس القريب مجرد خدم وعبيد لأسيادهم الأيوبيين ، ودائمًا وأبدًا فإن سيكولوجية العبيد لا ولن تتغير فهم دائمًا يسعون إلى إيجاد " شرعية " وإن كانت صورية ، فالعبد في قرارة نفسه يعرف أنه " عبد ذليل " حتى لو أصبح سلطانًا في غفلة من الزمان ، لذا وبمجرد وصول المستنصر عقد له بيبرس مجلسًا جمع فيه كبار المشايخ والعلماء والذي كان من بينهم " عز الدين بن عبد السلام " شيخ الشافعية ، وأيضًا قاضي قضاة مصر " تاج الدين ابن بنت الأعز " والذي أثبت نسب المستنصر ، ولا أحد يعلم كيف إلا هو ، ثم بايعه السلطان الظاهر بالخلافة ، وسرعان ماجهز له جيشًا وخرج الخليفة والسلطان إلى بلاد الشام وهناك قام السلطان بوضع اللمسات الآخيرة على تجهيز الجيش الذى ولى الخليفة المستنصر على قيادته وكان هدف ذلك الجيش هو استعادة بغداد من يد التتار ، وسرعان ما علم التتار بقدوم جيش المستنصر حتى خرجوا عليه قبل وصوله إلى بغداد وأبادوه عن ظهر قلب ، ومن يومها إلى الآن لا أحد يعرف أين إختفى الخليفة المستنصر " خليفة المؤمنين " والذي لم يمكث في الخلافة غير بضع شهور ، وكأن لسان حاله يقول " أموت وأعرف مين إللي شار عليا الشورى الطين دي " رحم الله المستنصر والذي راح ضحية أطماع السلطان وليس رغبة في الخلافة .

لقد أعاد المماليك إحياء الخلافة العباسية في مصر بعد زوال شمسها في بغداد ، لكنها كانت صورية وفقط لاضفاء الشرعية والدعم الروحي مما يجعل حكمهم مهيب الجانب وأقرب إلى القداسة ، والغريب العجيب أن هذا العرف صار مستمرًا حتى بعد زوال دولة المماليك وقتل  " طومان باي "  آخر السلاطين المملوكيين في العام ١٥١٧ م
حيث أسر " سليم الأول " سلطان العثمانلية " المتوكل على الله الثالث " آخر خلفاء بني العباس ، وأمر بنقله إلى اسطنبول وأوصى بأن تؤول الخلافة بعد موته إلى السلطان العثماني وكان معه " سيف الرسول وبردته " ولما مات المتوكل في ١٥٤٣ م انتقلت الخلافة إلى أبناء عثمان وظلت فيهم حتى العام ١٩٢٤ م
وبصرف النظر عن رحلة البحث عن الشرعية عبر التاريخ ، وأن من لايملك أعطى ووهب ومنح من لا يستحق فإن عهد المماليك يعد بمثابة بداية الانحطاط في تاريخ الحضارة الإسلامية ، فكل شيء كان " كأن " فالسلطان كان عبد لكن كأنه سلطان ، والخليفة كان مجهول النسب لكنه كان كأنه " خليفة " وحتى الدولة لم تكن دوله ولكنها كانت " شبه دولة " أو لنقل كنوع من التمويه والخداع اللغوي " شبه سلطنة " ونحن بدورنا " شبه شعب " فمتى ؟؟ متى نستفيق من الوهم والخداع .

إهداء إلى ابنتي الحبيبة " نورڤانا " 

حكايات مصرية ٢



قوم يا مصرى مصر دايما بتناديك
خد بنصرى نصرى دين واجب عليك
يوم ما سعدى راح هدر قدام عينيك
عد لى مجدى اللى ضيعته بأيديك
شوف جدودك فى قبورهم ليل نهار
من جمودك كل عضمة بتستجار
صون أثارك ياللى دنست الاثار
دول فاتولك مجد و أنت فوت عار
شوفت اى بلاد يا مصرى فى الجمال
تيجى زى بلادك اللى ترابها مال
نيلها جى السعد منه حلال زلال


أيضًا الرائع ... بديع خيري

في العام ١٨٣٢ م لم تنسى فرنسا حلمها بشق قناة تربط بين البحرين فأرسلت وفدًا من خيرة مهندسيها ، واستطاعوا الحصول على إذن من رجل الدولة المحنك " محمد علي " بالذهاب إلى الموقع من جديد وتأكدوا أن " لوبير " مهندس " نابليون " قد أخطأ في الحساب ، وأثبتوا أن مستوى المياه في البحرين واحد ، لكن " محمد علي " وافق على الحفر بشرطين في منتهى الحنكة والذكاء ، رغم كونه لم يكن مصريًا لكن ولائه كان مصريًا ، بعكس مصري اليوم والذي ليس لديه ولاء إلا للأعداء ، نعود لشرطي " علي " أما الأول : أن تضمن القوى العظمى حيادية القناة وبالتالي الاعتراف الضمني باستقلال مصر ، وأما الثاني - وأرجوك انتبه جيدًا له - أن تمول القناة بالكامل من أموال وخزينة مصر ، وبالتأكيد قوبلت الشروط بالرفض .

ومات نابليون ومات محمد علي وساءت أحوال فرنسا الاقتصادية ، لكن الفكرة لم تسقط من عقل " فردناند دي ليسبس " والذي جمع عائلته واستقل سفينة عائدًا إلى مصر ، بلد الخير والرخاء والتي لا تسوء أبدًا أحوالها الإقتصادية ، ولا تنقطع خيراتها ولا تمنع ، ووصل في ٧ نوفمبر ١٨٥٤ م وقابل صديقه الذي أصبح خديوي على مصر في ١١ من نفس الشهر ، وسرعان ما عرض عليه مشروع القناة ، وهنا تبرز على السطح أهمية " المكرونة " التي كان يهربها دي ليسبس لصديقه بعد منع " محمد علي " ابنه من أكلها لأنها تسبب البدانة , وتقدر تقول كده كان بيعتبرها " أندومي " ليس لها فائدة ، لكن المشكلة أن الابن " سعيد باشا " كان " طفس " وهمه على بطنه ، فاستغل ذلك " دي ليسبس " وعقد أظلم وأجحف بل وأحقر الصفقات في تاريخ مصر ،

منح والي مصر الخديوي  " محمد سعيد باشا " في عام ١٨٥٦ م للمهندس الفرنسي " فردناند دي ليسبس " إمتيازًا بحفر قناة السويس البحرية وتشغيلها لمدة ٩٩ عام تبدأ من تاريخ إفتتاح القناة للملاحة البحرية على أن يكون نصيب مصر من الأرباح ١٥ ٪ , وسرعان ما شرع " دي ليسبس " في إنشاء الشركة العالمية لقناة السويس البحرية  برأسمال 200 مليون فرنك فرنسي موزعة على 400 ألف سهم قيمة السهم الواحد 500 فرنك، وطرحت أسهم الشركة في الأسواق الدولية في نوفمبر 1858، واكتتب الفرنسيون بنحو 207,111 سهم ما يعادل نصف الأسهم فيما اكتتب الخديوي بنحو 177,642 سهم وتوزعت باقي الأسهم المكتتبة في الأسواق الدولية
وضع دي ليسبس  وحده بل ومنفردًا  لائحة العمال بعد أن حاز على توقيع الخديوي سعيد عليها ، والتي ضمنت لشركة قناة السويس البحرية (الفرنسية في ذلك الوقت) الموارد البشرية الهائلة من خلال تعبئة المصريين لحفر القناة، وجاءت المادة الأولى من اللائحة لتنص على أن تقدم الحكومة المصرية العمال للشركة طبقاً للطلبات التي يتقدم بها كبير مهندسي الشركة ( فوازان بك )  وطبقاً لاحتياجات العمل، وحددت المادة الثانية أجور العمال التي تراوحت ما بين قرش ونصف القرش وثلاثة قروش في اليوم، وإذا كان العامل دون الثانية عشرة من عمره يتقاضى قرشاً واحداً في اليوم ،- هل لا حظت شيئًا ؟ - الشركة العالمية استعانت بالأطفال المصريين ، ولم ترحم ضعفهم ! ، ونستطيع الآن بالوثائق والمستندات مقاضاة فرنسا لاستخدامها أطفال مصر في ظروف غير آدمية واستغلالهم حتى الموت . صحيح التزمت الشركة بتقديم الخبز المقدد إلى كل عامل بصرف النظر عن عمره ، ونصت اللائحة على فرض عقوبات على العمال الهاربين من الحفر ، فالعامل المهمل يخصم من أجره بما يتناسب مع مقدار إهماله، أما العامل الذي يهرب فيفقد أجر الخمسة عشر يوماً المحفوظة بخزينة الشركة، ونصت اللائحة أيضاً على عمل مستشفى ميداني بمنطقة الحفر ومراكز للإسعاف مزودة بالأدوية ، لكن معاناة العمال
بدأت من خلال نقض الشركةلوعدها بحفر قناة ماء عذب لمد العمال بمياه الشرب مما أدى للتضحية بآلاف العمال الذين أنهكتهم شدة العطش والانهيارات الرملية. ثم توالى سقوط الآلاف بسبب انتشار الأوبئة ، كما خالفت الشركة وعدها بتوفير وسائل متطورة في الحفر وأكره العمال على العمل في ظروف قاسية معتمدين فقط على سواعدهم وعلى الفأس والقفة

شهدت  سنوات الحفر الأولى للقناة أكبر عملية حشد للعمال بلغت عام ١٨٦٢ م مابين  20 ألف و22 ألف عامل يساقون لساحات الحفر في الشهر الواحد، قادمين من الوجهين القبلي والبحري، وكثر تمرد العمال وهروبهم وأظهر عمال الوجه القبلي تحدياً سافراً للشركة مما اضطر الشركة للاستعانة بالشرطة لإخماد تمرد العمال ومطاردتهم وتعذيبهم ، وقد كشفت التقارير الطبية والمحفوظة في مكتبة الإسكندرية أن أكثر الأمراض التي إنتشرت بين العمال هي النزلات الشعبية والأمراض الصدرية وحالات الاسهال الشديد والدوسنتاريا والجدري والكوليرا لدرجة أن الشركة لم تجد رجالاً يرفعون جثث الموتى الذين كان يتم دفنهم في الصحراء، وتلاها ظهور مأساة تعرض العمال خلال الحفر لمادة طينية سائلة كانت تحتوي على مادة الفسفور الحارق مما أدى إلى إصابة الآلاف بالأمراض الغامضة التي أدت إلى وفاتهم على الفور .


ومات من مات ، وما أكثر من مات حتى الخديوي سعيد نفسه مات ، وتولى بعده الخديوي " اسماعيل " الذي قرر افتتاح القناة في ١٧ نوفمبر ١٨٦٩ م ، أي بعد ١٠ سنوات من قتل المصريين في الحفر واختلاط دمائهم بالماء المالح ، وقد دعا اسماعيل ملوك وأمراء أوربا - وعلى رأسهم - الإمبراطورة " أوجيني " الجميلة الجذابة زوجة " نابليون الثالث " والتي قالت بعد إنتهاء الحفل الإسطوري : ما رأيت أروع من هذا الحفل الشرقي العظيم في حياتي , وعلى الرغم من إغراق البلاد في الديون ، فقد كان لإسماعيل رؤية توسعية مما جعلت حلفاء الأمس يضغطون لخلعه وعزله عن الحكم وتوليه ابنه توفيق بدلًا منه ، بعد أن تعرضت البلاد بعد افتتاح القناة ب ٦ سنوات لأزمة مالية طاحنة ، مما أضطر إسماعيل لبيع حصة مصر في القناة لبريطانيا بمبلغ ١٠٠ مليون فرنك في ٢٥ نوفمبر ١٨٧٥ م ولكن لم يف بيع مصر لحصتها في القناة بالديون مما أضطرها لبيع حصتها من الأرباح أيضًا نظير مبلغ ٢٢ مليون فرنك ، وهكذا خسرت مصر دم أبنائها وحقها في القناة في ظرف " ست سنوات " بصوت " السادات "
وها نحن وبعد مرور ما يقارب مائة وخمسون عام ، لم نتعلم من دروس التاريخ ونعرض للمرة الثانية شرفنا وعرضنا ودم أبنائنا للبيع بسبب الديون المبالغ فيها والغير مبررة تمامًا كما فعل " إسماعيل " وحتى لو بيعت القناة ، وبيعت بعض الجزر ، وبيعت حصتنا في غاز المتوسط ، وبيعت شبه جزيرة سيناء ، وبيعت نساء مصر كما بيع أطفالها في حفر القناة ، فلن تفي بسداد الديون ، أتدرون لماذا ؟ لأننا لم نستفد من تلك الديون ولم نبني بها مصانع لإنتاج سلع ، ولا مدارس لإنتاج عقول ، وإنما سكتنا واكتفينا بانفاقها في ذلك الأسفلت اللعين أسود القلب ، وتلك الكباري العجيبة التي تلف حول نفسها ، وتلك الأطنان من الخراسانات التي سقطت في قاع الصحراء ، نحن نراقب ونرتقب دورة التاريخ الطبيعية والمتكررة دومًا ، ويبدو أن لا أحد يستوعب الدرس .

حكايات مصرية ١




 هز الهلال ياسيد كراماتك لاجل نعيد

حد الله مابيني وبينك غير حب الوطن ياحكومة
ماحناش حبة بلاليص حاطينها فوق الكراسي
بكرة المولى يعدلها وفي الدنيا عمرك ما تقاسي
هز الهلال ياسيد كراماتك لاجل نعيد
الرائع بديع خيري

كلمات مصرية صٍرفة ، وحكاية مصرية صٍرفة بتبدأ سنة ١٨٧٤ ق.م لما قرر عظيم مصر " سنوسرت الثالث " الملك الخامس للأسرة الثانية عشر ، وأعظم ملوك عصر الدولة الوسطى ، ووالد العظيم " أمنمحات الثالث " ملوك الحروب والرخاء ، ولا تسألني كيف يجتمع الحرب والرخاء في آن واحد ، لكنه تحقق بالفعل في عهد العظماء  ، أما في عهد الجبناء فلا حرب ولا رخاء ، هكذا أخبرنا ويخبرنا " أبانا " التاريخ ، سنوسرت شق قناة تربط بين البحرين المتوسط والأحمر عبر نهر النيل ، عرفناها باسم " قناة سيزوستريس " وبالمناسبة هذا الاسم هو نفسه اسم " سنوسرت" كما نطقه الإغريق ، وتكمن أهميتها في أنها زادت من حركة التجارة بين " كمت " و " بونت " ، أقصد " مصر " و " الصومال " كما عززت أيضًا التجارة بين مصر وجزر المتوسط ، ولأسباب تتعلق بضعف الدولة أهملت القناة حتى جاء عظيم آخر اسمه " سيتي الأول " وأعاد افتتاحها سنة ١٣١٠ ق.م ، ثم دارا الأول ثم بطليموس الثاني ، ثم سموها قناة الرومان سنة ١١٧ م ، ثم سموها " قناة أمير المؤمنين " سنة ٦٤٠ م ، ثم ردمها أمير المؤمنين " أبو جعفر المنصور " العباسي لما ثار وتمرد أهل الحجاز على الحكم العباسي ، خوفا من تعاطف أهل مصر معهم وإمدادهم بالمؤن والسلاح ، ثم فتحها " هارون الرشيد " ثم ردمت من جديد ، والغريب أنهم كانوا يسيرون قوافل البضائع على ظهر  ( الجمال والبغال والحمير ) في نفس الطريق الذي كانت تسلكه القناة ، حتى إكتشف البرتغاليون " طريق رأس الرجاء الصالح " والذي يلف ويدور حول قارة إفريقيا بالكامل ، فتسبب ذلك في بوار التجارة وكسادها في مصر والبندقية ونابولي وجنوة وغيرها من المدن والجزر المتوسطية ، فتجمع التجار وذهبوا للسلطان المملوكي " قنصوة الغوري " طالبين منه النجدة ، راجيين منه إلغاء القوافل وإعادة حفر قناة الجدود الأصليين ، لكن طبول الحرب كانت تدق فوق رأس المملوكي ، حتى حل العثمانلي ضيفًا ثقيلًا على عموم البلاد ، ومرت السنون الطويلة والليالي السوداء على القناة ، حتى جاءت الحملة الفرنسية بقيادة " نابليون بونابرت " وهزم العثمانيين واستولى على حكم البلاد ، وتلقى نابليون من فرنسا أمرًا بحفر قناة تربط بين البحرين مباشرةً ، فأخذ معه لجنة من المهندسين وخرج من القاهرة لمعاينة الموقع ، وكان يرأس لجنة المهندسين رجل يدعى " لوبير " والذي أقنع " بونابرتة " بأن مستوى سطح الماء في البحر الأحمر أعلى من نظيره في المتوسط بما يعادل تسعه أمتار ، مما سيؤدي إلى غرق محقق للبلاد ، فتراجع " نابليون " في الحال وعاد دون تحقيق هدفه ، كان هذا في نهاية عام ١٨٠٠ م وحتى بدايات العام الذي يليه ١٨٠١ م ، لكن نابليون بعد رحيله إلى فرنسا وتوليه سدة الحكم ، أرسل دبلوماسيًا مخضرمًا إلى مصر حتى يختار واليًا على مصر مواليًا لفرنسا ، هذا الدبلوماسي هو " ماتيو دي ليسبس" وبالفعل وقع اختياره على ضابطًا في الفرقة الألبانية التابعة للجيش العثماني ، رآه يتقرب بذكاء إلى شيوخ الأزهر والزعامة الشعبية وكبار الأعيان ، فقدم له النصيحة والمشورة بل والدعم المادي في بعض الأحيان ، حتى تمكن " محمد علي " من السيطرة على حكم البلاد متغلبًا على " البرديسي " الذي عينه الإنجليز ومن بعده " خورشيد باشا " ولم ينسى محمد علي مساعدة فرنسا له عن طريق مبعوثها الذكي " ماتيو دي ليسبس " حتى بعد وفاته ، وقدوم ابنه المهندس الشاب " فرديناند دي ليسبس " كقنصل مساعد لبلاده في الإسكندرية ، واستقبله " محمد علي " بحفاوة بالغة كنوع من رد الجميل لأبيه ، وعرض عليه العمل في القصر كمعلمًا ومربيًا لابنه الأمير " محمد سعيد باشا " ومنذ ذلك الحين وقد ولدت علاقة من نوع خاص بين الدبلوماسي الفرنسي والأمير ، تلك العلاقة سيكون لها ما بعدها سواء على الصعيد المصري أو حتى العالمي ... فانتظروني ....

الأحد، 20 أبريل 2025

ولا كل الشكشوكات

 



كنت قد اشتقت كثيرًا للأكل من عمل يدي ، وسرعان ما أشمرت يداي ، وتولد بداخلي حماس هائل مهول ، فاتخذت قراري الحازم الحاسم وتوجهت إلى السوق غير مباليًا ، وبكل شجاعة سحبت كيسًا بلاستيكيًا و شرعت في تعبئته بحبات الطماطم الصغيرة المستديرة بل كاملة الاستدارة ، ثم وبكل بهجة تناولت كيسًا آخر ، وكأني أعلنها بيني وبين نفسي - أنا هاخربها النهاردة - ووجدتني أملأ الكيس الآخر بصلًا رأيته مبصولًا ، لا شك أنني سعيد بل في غاية السعادة ، فمنذ زمن بعيد لم أفعل هذا ، وأكتفي بسد رمقي من عمل يد الناس ، ومهما كان الأكل الجاهز لذيذ ، أنت لا تجد نفسك فيه ، أنت هنا متلقي ، و دورك غير مؤثر ، وكأن البائع فضح أمري وأنتم تعلمون أن للبائعين المحترفين نظرة ، فأنا لست زبونًا دائم ، فأمسك بكيس الطماطم و هم بسؤالي : أوزن لك نصف كيلو يا أستاذ ، فأجبت بتعالي وربما بعض الاستنكار : نصف كيلو إيه يا عم هو أنا هاعمل سلطة ، كنت أود لحظتها إخباره بأني سأطبخ ، لكني وفي اللحظات الأخيرة سحبت الكلمة من أطراف شفتاي ، فبدلتها مسرعًا وقلت بملئ الفم : أنا عاوز كيلو ، ثم تكرر مع البصل ما حدث للطماطم ، فارتبت من أمر الرجل ، لكني أمام فرحتي بالطبيخ تركته ولم أبالي ، لكنه باغتني بسؤال غريب أثناء انسحابي من أمامه ، قال : مش عاوز بطاطس ، فلم أفكر كثيرًا لأني أعلم مسبقًا أنها تحتاج لتقشير وغلبة وربما لست جاهز هذه المرة ، فقلت له بغلاسة : خليهالك ، ثم سحبتني قدمي دون أن أقرر إلى بائع البيض ، قلت : أريد أربع بيضات ، فوضعهما لي في كيس ، ثم انصرفت منتشيًا ، يبدو أني في تلك اللحظة اتخذت قرار ، وحسمت الجدل الدائر في رأسي ، سوف أطبخ "شكشوكة" فأنا ماهر جدًا في صنعها ، وهدأت روح "الفأر الطباخ" بداخلي وذهبت للحظة الحاسمة ، وأحضرت أدواتي وجهزت العدة ، وقطعت البصل بيدي وغسلت الطماطم ثم قطعتها قطع صغيرة ثم وضعت قليلًا من الزيت في إناء الطهي ثم بعد أن سمعت صوت "طشطشة" نزلت بالبصل المقطع وكلي بهجة رغم حالة البكاء الشديدة التي تعرضت لها أثناء تقطيع البصل ، وبعد أن هدأت مقلتاي واستتب أمر جيوبي الأنفية بحث عن الملح فوجدته فوضعت القليل منه على الطماطم المقطعة بمهارة ، وزاد توتري وانزعاجي حينما تذكرت أني نسيت أشتري بعض التوابل ، فهي تعطي للأكل نكهة ، وأي نكهة ، لكني قلت لنفسي : ولا يهمك سوف آكلها أيًا كانت النتائج ، فأنا من صنعت ، ثم بعد تقليب البصل والذي منه ، وبعد أن اصفر لونه كالذهب ، بادرت بوضع الطماطم مع قليل من الماء ، ثم قمت بكسر بيضتان من الأربعة ، ولا أدري لماذا فعلت ذلك ولم أكسر الأربعة دفعة واحدة ، لكني كما قلت لكم في جميع الأحوال أنا ضميري مرتاح ولم يلمني لحظة واحدة ، وبعد أن تحول الخليط إلى اللون الأحمر القاني ، نزلت بالبيضتان ، بالطبع بعد تقليبهما ، وبعد لحظات ظهر للنور أجمل وأرقة طبق شكشوكة في التاريخ ، لقد فعلتها ، أنا نجحت ، وشرعت في الأكل ، فإذا بي ألتهم لا آكل ، إنها حقًا لذيذة جدًا جدًا جدًا مما أنساني نقص التوابل ، أكاد أجزم بل وأحلف لكم إنها ليست ككل الشكشوكات التي أكلتها ، لقد فرقعت في هذا الخليط السحري ثلاثة أرغفة كاملين ، وهنا سألت نفسي السؤال الوجودي ، هانطبخ إيه المرة الجاية !؟ . 

أين "سامي" ؟

  في اليوم الذي اختفى فيه سامي عبد الرحمن، لم يحدث شيء استثنائي، الشارع كان في مكانه، بنفس البلاطة المكسورة أمام المخبز، وبنفس الكلب الذي ين...