الخميس، 18 ديسمبر 2025

أين "سامي" ؟

 


في اليوم الذي اختفى فيه سامي عبد الرحمن، لم يحدث شيء استثنائي، الشارع كان في مكانه، بنفس البلاطة المكسورة أمام المخبز، وبنفس الكلب الذي ينام عند ناصية العمارة منذ سنوات، حتى السماء لم تحاول أن تكون درامية؛ غائمة بلا مطر، كأنها تؤدي واجبها فقط.

سامي نفسه لم يكن رجلًا يلفت الانتباه، موظف حسابات في شركة متوسطة، يحفظ أرقامًا أكثر مما يحفظ وجوه الناس، يعرف مواعيد الخصومات، ولا يعرف أسماء جيرانه، حين يمر بجانبك في السلم، قد تلقي عليه السلام، وقد لا تلاحظ أنه مر أصلًا.

في الثامنة إلا ربع، خرج من شقته وأغلق الباب مرتين، الأولى بدافع العادة، والثانية بدافع الشك.

توقّف لحظة، كأنه يحاول تذكّر شيء، ثم هزّ رأسه ومشى، لا أحد رآه بعدها.

البلاغ لم يُقدَّم في اليوم نفسه، زوجته افترضت أنه تأخر في العمل، رئيسه افترض أنه مريض، صديقه الوحيد افترض أنه “محتاج يبعد شوية”، الافتراضات كانت مريحة للجميع.

بعد ثلاثة أيام، بدأت الأسئلة، أسئلة هادئة، مهذبة، لا تتهم أحدًا، من النوع الذي لا يوقظ الضمير، بل يمرّ بجانبه ويعتذر.

في التحقيق، سُئل الجيران:

– هل لاحظتم شيئًا غير طبيعي؟

قالوا لا، وكانوا صادقين.

قالت السيدة في الطابق الثاني إنها سمعته يغلق الباب كالمعتاد، وقال الرجل في الأول إنه رآه ينزل السلم وهو ينظر في هاتفه، 

لا صراخ.

لا شجار.

لا أثر.

حتى الكلب عند الناصية لم ينبح.

في المحضر كُتب:

 “لا توجد شبهة جنائية حتى الآن.”

جملة مطمئنة، تحبها الجهات الرسمية، ويحبها الناس أكثر،لأنها تعني شيئًا واحدًا:

لا داعي للتورّط.

بعد أسبوع، ظهرت أول إشارة غريبة، تحويل بنكي صغير، بلا معنى تقريبًا، خرج من حساب سامي بعد اختفائه بيومين، المبلغ لا يكفي للهروب، ولا يكفي للفضيحة، ولا يكفي حتى ليكون لغزًا جيدًا، لكن المحقق توقف عنده، ليس لأنه دليل، بل لأنه غير مبرَّر.

(لا أحد ينتبه للأشياء الصغيرة)

في اليوم التاسع لاختفاء سامي عبد الرحمن، أعادت زوجته ترتيب المطبخ، لم يكن فعلًا رمزيًا، كانت تبحث عن مساحة، البيت حين يختفي أحد سكانه، لا يتّسع…

يضيق ببطء، كأن الجدران تقترب خطوة خطوة.

رمت كوبًا مكسورًا، وملعقة بلا قرين، وورقة قديمة مكتوب عليها رقم هاتف بلا اسم.

توقفت عند الورقة لحظة، فكرت أن تحتفظ بها، ثم فكرت: وليه؟

فرمتها.

القمامة كانت ممتلئة، ضغطت عليها قليلًا…وأغلقت الغطاء.

في نفس اليوم، قرر المحقق محمود أن يؤجل ملف سامي، ليس لأنه انتهى، بل لأنه لم يبدأ فعلًا.

الملفات التي لا تصرخ تُركَن على الرفوف السفلية، هناك، حيث لا أحد ينحني كثيرًا.

قال لنفسه:

 “لما يظهر جديد.”

وكان يعرف -من خبرته- أن “الجديد” لا يظهرإلا إذا أصرّ أحد على البحث، ولا أحد كان مُصرًّا.

صديق سامي الوحيد، والذي لم يُسأل رسميًا، فكّر في الاتصال بالمحقق، مسك الهاتف، فتح سجل المكالمات، رأى اسم سامي…آخر اتصال منذ أسبوعين، تردد.

قال لنفسه:

 “أكيد هم عارفين أكتر مني.”

وأغلق الهاتف.

في الشركة، أُعيد توزيع مكتب سامي، لم يكن قرارًا إداريًا كبيرًا،

احتاجوا للكرسي، والدرج، ومكان بجوار الشباك.

قال المدير:

“نخلّص الشغل.”

ولم يقصد قسوة، كان يقصد النظام.

التحويل البنكي الصغيرلم يُتابَع، ليس لأنه غير مهم، بل لأنه غير واضح.

الأشياء الواضحة تُطارَد، الأشياء الغامضة تُؤجَّل، ثم تُنسى.

وفي المساء، جلس رجل لا يعرف سامي يشاهد نشرة الأخبار، مرّ خبر اختفاء شخص في الشريط السفلي، اسم عادي، صورة غير واضحة.

فكّر لثانية:

“غريبة.”

ثم غيّر القناة.

الاختفاء لا يحدث دفعة واحدة، هو تواطؤ هادئ بين التعب، والانشغال، والمنطق المعقول.

لا أحد قال:

“فلنتركه يختفي.”

لكن الجميع قال - كلٌ بطريقته -

“ليس الآن.”

(ما تبقّى بعد الاختفاء)

بعد ستة أشهر، أُغلق ملف سامي عبد الرحمن رسميًا، القرار لم يحتج اجتماعًا، توقيع واحد، وختم أزرق، وجملة معتادة:

“لعدم كفاية الأدلة.”

الملف دخل الأرشيف، مكان بارد،

منظّم، لا يُدان أحد.

زوجته باعت الشقة بعد عام، لم تبكِ وهي توقّع العقد، كانت قد أنهت البكاء قبل ذلك بوقت طويل.

البكاء مثل الأسئلة، له صلاحية محدودة.

في الشقة الجديدة،لم يكن هناك بلاطة مكسورة، ولا كلب عند الناصية، ولا باب يُغلق مرتين،

كانت البداية نظيفة… بلا أثر.

المحقق محمود

نقل إلى قسم آخر،في يومه الأخير، مرّ بعينيه على الملفات القديمة، توقف ثانية عند اسم سامي، لم يتذكر وجهه، تذكر فقط شعورًا خفيفًا بأنه كان يمكن أن يفعل أكثر، الشعور لم يكتمل، رنّ الهاتف، وانتهت الثانية.

التحويل البنكي الصغيرظل بلا تفسير، لم يظهر سامي ليسحبه، ولم يظهر أحد ليطالب به.

المال -مثل الحقيقة - حين لا يطالب به أحد، يفقد معناه.

بعد سنوات،جلس شاب في مقهى

يقرأ كتابًا، الرواية كانت عادية في ظاهرها، اختفاء شخص، تحقيق،لا نهاية حاسمة.

حين أغلق الكتاب، شعر بعدم ارتياح، ليس لأن القصة حزينة،

بل لأنها لم تتهم أحدًا.

فكّر:

 “طب وبعدين؟”

لم يجد إجابة.

دفع الحساب.

وخرج.

في الشارع، مرّ بجانب رجل

كان يمكن - نظريًا - أن يكون سامي.

نفس الطول، نفس الانحناءة الخفيفة في الكتفين.

تردد لحظة.

ثم أكمل طريقه.

الجمعة، 28 نوفمبر 2025

الأحد، 16 نوفمبر 2025

الأمنجي

في «الأمنجي» ندخل عالَمًا تُمحى فيه الحدود بين الحاضر والذاكرة، بين المعلوم وما يُخفيه الظل.

غريب ليس مريضًا في مصحة، بل رجل يحمل تاريخًا مثقوبًا، يطارده جلال؛ ذاك الحضور الشبحي الذي لا يُرى إلا حين تريد الحكاية أن تكشف سرًّا لا يقال بصوت مرتفع.


يجلس غريب في غرفته وحيدًا، بينما يظهر جلال كأنّه انعكاس لروحه، يستمع ويُدوّن، لا بصفته معالجًا، بل ككائن يعرف كل ما حاول غريب نسيانه. وفي لحظة اعتراف حارقة، ينفجر غريب باكيًا وهو يعود إلى اليوم الذي قال له فيه الحاج صلاح الجملة التي غيّرت حياته:

«إيّاك تقول لحد اللي حصل… حتى أمّك.»


من هنا يبدأ الانهيار الحقيقي: إحساس مُهين بالانكسار، وخذلان أكبر من قدرة الروح على احتماله. يشعر غريب أنه خرج من ذلك اليوم ممسوخًا، رجلًا آخر لا يشبه ضوءه القديم ولا يعرف ما الذي صار عليه.


أما جلال الشبح، فلا يطلب منه شيئًا… فقط ينتظر الكلمة التي ستفتح باب الحكاية على ظلامها، وتُظهر ما أخفاه غريب تحت جلد الصمت لسنوات طويلة.


 

الجمعة، 31 أكتوبر 2025

مريم الثانية




📖🔥 "مريم الثانية".. رواية تتحدى الصمت وتفتح أخطر ملفات الحب والدين والفكر!
في عالمٍ تتقاطع فيه الفلسفة بالدين، والحب بالعقيدة، والعقل بالإيمان،
تولد "مريم الثانية" لتكسر التابوهات وتفتح الباب أمام أسئلة لم يجرؤ أحد على طرحها.
من أول صفحة ستجد نفسك داخل صراعٍ عميق بين أستاذٍ وفكرٍ وجماعةٍ ومجتمعٍ يرى بعين واحدة،
وبين امرأةٍ تبحث عن خلاصها من خلال حبٍ محرّمٍ على الورق... ومقدّسٍ في القلب.
رواية جريئة، عاصفة، فلسفية،
تأخذ القارئ إلى أعماق الروح والعقل مع كل سطر.
إنها ليست مجرد حكاية "مريم" بل مرآة لكل إنسانٍ تمزقه الأسئلة ويبحث عن خلاصه الخاص.
💬 اقتباسات من الرواية:
"أنا لا أحارب طواحين الهواء… أنا أحارب صمت الناس أمام الريح."
"لو كان حبك خطيئة، فدعيني أُكملها بضميرٍ مستريح."
"في زمنٍ صار فيه الفكر تهمة، يصبح الحُب أعظم أنواع المقاومة."
📘 رواية: مريم الثانية
✍️ تأليف: علي محمد علي AAli Mohamed Ali🌍 التوزيع العالمي: KKinzy Publishing Agency📗 ISBN: 9785748978446
📅 سنة الإصدار: 2025
🌐 متوفرة الآن بين أيدي القراء في كل أنحاء العالم عبر أشهر المتاجر والمنصات:
🇺🇸 الولايات المتحدة وأوروبا:
Barnes & Noble
https://www.barnesandnoble.com/w/1605-1585-1610-1605-1575-1604-1579-1575-1606-1610-1577-1593-1604-1610-1605-1581-1605-1583-1593-1604-1610/1148586502?ean=9785748978446
🇬🇧 المملكة المتحدة:
Amazon UK
https://www.amazon.co.uk/dp/574897844X?tag=bookfindercom01&linkCode=osi&th=1&psc=1&language=en_GB&selectObb=new
🇸🇦 السعودية ودول الخليج:
Samawy
https://www.samawy.com/i/1028857/%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9
🇰🇷 كوريا الجنوبية وآسيا:
Yes24
https://www.yes24.com/product/goods/160982217
🇺🇸 الولايات المتحدة (أمازون):
Amazon
https://www.amazon.com/dp/574897844X
________________________________________
💥 "مريم الثانية" ليست رواية للقراءة فقط… إنها تجربة تعيشها، وتعيدك إلى ذاتك الأولى.
اقرأها إن كنت تجرؤ على مواجهة فكرك… وقلبك. ❤️‍🔥
#مريم_الثانية #علي_محمد_علي #Kinzy_Publishing_Agency #رواية_عربية #أدب_معاصر #رواية_فلسفية #رواية_درامية #كتب_تستحق_القراءة #التوزيع_العالمي #KinzyGlobal

الثلاثاء، 29 يوليو 2025

ملف تقديم


 

الاسم الكامل: علي محمد علي
الصفة: كاتب وروائي مصري
أعمال منشورة:

1. مريم الثانية – رواية

2. سبع حيوات – رواية فلسفية متعددة الأزمنة

3. عين الحياة – رواية

4. شمس – رواية

5. أبو عيش – رواية (سُحبَت لاحقًا من الوكالة)

6. فتى الجنوب (أحمس) – رواية تاريخية

7. فتى اليونان – رواية عن الإسكندر الأكبر

8. بنتراشيت -- رواية عن فلسفة الزمن .

أعمال مميزة قصيرة:

لعنة الخامسة صباحًا (قصة قصيرة)

خالد والكلب (قصة رمزية)

قطة المطار ، أنا وهي .. والليل ، وغيرها

الذكاء الاصطناعي – مقال سردي تمثيلي

أبرز السمات الأسلوبية:

مزج الواقع بالخيال والفلسفة بالتاريخ.

قدرة نادرة على رسم الشخصيات المعقدة والمتعددة الطبقات.

أسلوب سردي يعتمد على العمق الوجداني وثراء اللغة دون افتعال.

القراء يصفونه بـ: "الكاتب الذي يكتب بقلبه، ثم يوقّع باسمه فقط."

---

رؤية الكاتب: لا يكتب علي محمد علي للترفيه فقط، بل ليحرّك الماء الراكد داخل القارئ. يرى أن الكتابة وسيلة خلاص، وسؤال دائم عن المعنى، وأن الفن لا ينفصل عن الوجدان ولا عن الفلسفة.

---

أهداف المرحلة القادمة:

الوصول إلى جمهور أوسع عربيًا وعالميًا.

تحويل بعض الأعمال إلى أعمال درامية (خاصة "مريم الثانية" و"سبع حيوات").

التفرغ لمشروعه القادم الذي لم يُكشف عنه بعد.

---

بيانات التواصل:

البريد الإلكتروني: alysun1973@gmail.com

رقم الهاتف:
01066973029

المدونة/الصفحة الشخصية:
alimalibooks.blogspot.com
---

ملاحظات للناشرين أو شركات الإنتاج:

الكاتب لا يقبل تعديل أعماله دون مراجعة مباشرة.

الروايات مكتملة ومراجعة لغويًا وجاهزة للنشر أو التعاقد.

متاح للتفاوض على حقوق تحويل الأعمال إلى أعمال مرئية أو صوتية.

---

اقتباس ختامي: "أنا لا أدوّن، بل يُنقل إليّ ما أدوّنه... فأنا لا أملك إلا أن أكتب حين يُؤمر القلم بالكتابة."

                        علي محمد علي

الاثنين، 28 يوليو 2025

سبع حيوات


رواية: علي محمد علي

سبع أرواح... سبع حيوات... سبع صور للإنسان في مواجهته الأبدية مع الحياة، والموت، والقدر، والحب، والسلطة، والمعرفة.

في ملحمة سردية تمتد عبر العصور، ينسج علي محمد علي رواية فريدة تتقمص فيها روح واحدة سبعة أجساد، كل منها يعيش حياة مختلفة في زمن مختلف، لكنها تشترك جميعًا في شغفها للحقيقة، وعطشها للحب، ورفضها للانصياع.

من "تاتا" في فجر البشرية، إلى الفرعون المتنور "خع رع"، ثم إلى "الإسكندر الأكبر"، فالفيلسوف الراهب "أنخ"، والصوفي "نور الدين المغربي"، ثم المناضل الصحفي "يوسف جرجس"، وأخيرًا الروح السابعة... الكاتب نفسه، الذي يعترف أنه ما زال يبحث عن الحب الذي يكتمل به.

سبع حيوات ليست فقط رحلة تاريخية... إنها تساؤل فلسفي عميق:

هل نحن نسخ متكررة؟ أم أن أرواحنا تمتحن الحياة مرارًا حتى تكتمل؟

هل يكفينا الحب؟ أم هو نار لا تنطفئ؟

وهل الخلاص في التجلي... أم في الغياب؟

رواية تدهشك بفكرتها، تأخذك بتشابكها، وتحرّك فيك شيئًا لا يُقال... فقط يُحس.


الجمعة، 18 يوليو 2025

مريم الثانية


 رواية علي محمد علي

تقديم الناشر

في مريم الثانية لا نقرأ حكاية… بل نُحاكم أنفسنا.

هذه ليست رواية عن امرأة مسيحية تقع في حب رجل مسلم.

وليست رواية عن رجال دين متطرفين، أو مناظرات فكرية، أو أديرة تخفي ما لا يُقال.

هذه رواية عن الخذلان حين يأتي ممن نحتمي بهم، وعن العزاء حين يولد من حيث لا نتوقع.

"مريم" ليست رمزًا. ليست ضحية ولا بطلة.

إنها "إنسان" كُسر مرات، وقاوم مرات، حتى فقد القدرة على التمييز بين الألم والحياة.

أما "فهمي"، فهو صوت العقل في مدينة الجنون،

مفكر يقف وحيدًا في وجه تيارات التكفير، يدفع الثمن كاملًا، لكنه لا يتراجع عن إيمانه بالإنسان قبل أي هوية.

وهناك "روماني" الذي يُثبت أن الحنو قد ينقذ ما لا ينقذه المنطق،

وأن الحب – لا الدين – هو ما يعيدنا إلى الحياة من الرماد.

الرواية تتنقل بين أروقة الجامعات، ودهاليز الأديرة، ومستشفيات العذاب، وشقق النفي، حتى تصل إلى أمريكا التي تبدو كملاذ، لكنها لا تمحو الذاكرة.

ما الذي يجعل الإنسان يعود؟ أي حنين هذا الذي يعبر آلاف الأميال بحثًا عن ابن نُزع من صدر أمه باسم الخطيئة؟

✦ مريم الثانية

ليست حكاية امرأة.

بل رواية كتبتها الحقيقة…

وتكفّل علي محمد علي أن يسدد عنها أقساط الألم.


السبت، 12 يوليو 2025

أنا وهي ... والليل



أنا كائن ليلي...

أرتدي قميصي الأسود وأُطفئ الأضواء طقسًا، أتحول بعد منتصف الليل من بشر عادي إلى شيء آخر… نصفه كاتب،

ونصفه… مجنون بوَهم الكتابة.

كل ليلة، حين يرخي الليل سدوله،

وتنسحب الأرواح الثقيلة من الفضاء،

تأتيني امرأة شقراء، لعوب، متفجرة الأنوثة، لا تشبه إلا الخيال حين ينفلت من قبضتي.

لا أعرف من أين دخلت، ولا متى فُتح لها الباب الموصد بإحكام.

لكني أراها… كل يوم.

بنفس الثوب… نفس اللمعة في عينيها… ونفس الحكاية الغامضة.

مرة تجلس على فخذي، مرة على طرف مكتبي، تتدلل، تداعبني، تتجرأ،

تتحرّش بي أحيانًا كمن يلعب بالنار…

ثم حين أصل لذروة الفوران، تسحبني للخلف، تهدّئني…

كمن يسحب القدر عن نار أوشكت على الانفجار.

أتعجب. أتعصّب.

أقول لها:

"يا امرأة، ما بالكِ؟ ما غرضكِ من كل هذا؟"

تضحك…

بصوت يقطر إغراءً وتناقضًا،

وتقول:

"أريدك أنت… بالتحديد، أريدك كلك، لكن لي شرطًا واحدًا."

قلت، متوهجًا:

 "آمري يا جميلة الجميلات."

قالت وهي تهمس في أذني كمن يُلقي تعويذة:

"اكتب عني…دع العالم يعرفني من خلالك."

قلتُ، مرتبكًا:

"لكن… أنا لا أعرف اسمك!"

اقتربت، وضعت أناملها على شفتيّ،

وقالت: "اسمي ليس مهمًا.

أنا… الوحي.

أنا إلهامك.

أنا تألقك.

أريد قلمك… يشق لي طريق الوصول،

يرسم لي خريطة العبور."

ضحكتُ بخبثٍ خفيف،

وقلت:

"لكني أملك قلمًا آخر، كاد أن يجف حبره من قلة الاستخدام!"

لأول مرة، احمرّت وجنتاها كأنها تملك قلبًا، وقالت بخجل:

"خلّينا في القلم الحقيقي…ونفّذ الشرط بلا مراوغة."

وبدأنا...

أنا وهي… والليل.

تارة تملي علي، وتارة أعترض، أعدّل، أتهكم، فنضحك معًا، ثم نكسر القواعد،

نتطاول على اللغة، نستبيح المجاز،

ونترك علامات الترقيم تنتحر على أطراف الورق.

ثم تدنو…

وتنتشي حين تقرأ سطرًا صلبًا.

فتدوخ.

وأنا… أخطف قبلة من ثغرها الناري المرسوم.

تفيق.

تغضب.

تسوق الدلال كسيدة تعرف أنها مطلوبة.

أدلعها، أرجوها، أحايلها، ترق من جديد، تبتسم… وتقول:

"هيا… نكمل ما بدأناه."

يقترب الفجر، يتوقف القلم، بل ينتصب.

أقول لها:

 "الآن جاء دوري، فعلتُ ما أردتِ…

كتبت، أبدعت، نزفت…

فهل توفين بوعدك؟"

تبتسم.

وتقول: "ها أنا ذا…"

تخلع كل شيء.

تقف عاريةً كـ"نصٍّ مكتملٍ في آخر الليل"، وتستلقي فوق سريري.

قالت: "ابْرِ قلمك."

قلت: "هو مسنون."

اقتربت…

ارتميت عليها كمن يهجم على صفحة بيضاء بالعطش.

ثم…

ثم لا شيء.

صحوت،

فوجدتني أحتضن مرتبتي.

لا هي كانت هنا، ولا أعرف من أين أتت،

ولا كيف رحلت.

لكنها ستعود، كالعادة.

حين يرخي الليل سدوله، ويشتاق القلم إلى البكارة.


خالد والكلب



خالد رجل طيب، عاش عمرًا مع زوجته الدميمة "أم الخير"، لكن ما نادها يومًا بهذا الاسم، كان يسميها على طريقته:

"أم الشر".

وعلى طريقة اسمها… ختمت حياتها معه.

استأجرت بضع لصوص، وحرّضتهم على سرقة زوجها، ليضربوه ويسرقوه وينفضّوا من حوله كما تنفض الجرذان من حفرة نار.

أوسعوه ضربًا، ولحسن حظه لم يجدوا معه شيئًا، فتركوه مدرّجًا في دمه وهربوا،

وبقي هو في منتصف الطريق بين الصدمة والخذلان.

وحين استفاق، وقف، طلقها، غادر، بلا رجعة.

---

ذهب إلى المدينة، استأجر شقة في الدور الثالث من عمارة متهالكة في حي شعبي ضيق، كثير الأزقّة وقليل الهواء.

وكان يظن أن القهر هناك يُخفف بصوت بائع العيش، أو بكوب شاي ساخن على الرصيف، لكن ما وجده… كان مختلفًا تمامًا.

---

كل فجر، وبعد لحظات قليلة من انطلاق صوت الأذان، كان يسمع عواء كلب.

عواء متواصل، كأنه لا يعترض… ولا يؤيد، بل يرافق فقط.

في البداية لم يأبه، لكنه بعد أيام… بدأ يشعر أن هناك ما "ليس طبيعيًا" في هذا العواء.

---

ذهب يسأل أحدهم، رجل بلحية ناعمة، وصوت هادئ اسمه الشيخ مرزوق،

فأجابه بثقة: "بيردّد مع الأذان يا أبله."

رفع خالد حاجبيه دهشة، وأسرّها في نفسه: "ابله؟"

لكنه لم يعلّق.

انسحب كمن يشكّ في أن سؤاله نفسه خطيئة.

---

في الليلة التالية، راقب توقيت العواء.

لاحظ أن الكلب يبدأ بعد بداية الأذان بلحظات، ويتوقف في منتصفه تقريبًا.

قال لنفسه:

"يعني بيردد النصف التاني سرًا؟!"

ثم بصق على الأرض: "والله يا شيخ مرزوق… الأبله الحقيقي هو أنت."

---

لم يهدأ، ذهب ليسأل آخر.

قال الرجل بنبرة العارف ببواطن الغيب:

 "الكلب يا عمنا… بيشوف حاجة من اثنين :  إما ملك الموت… أو عفريت.

حاجات ما تتشافش بالعين… لكن تتشّم بالكلب."

ابتلع خالد ريقه، شعر بغصة،وقال لنفسه: "أنا ساكن في حي العفاريت والملائكة؟!

هو ده الحي الوحيد الموصل للآخرة؟

ده ملك الموت بييجي كل يوم كأنه نازل مولات؟"

ثم همس في خوف: "ما يمكن في يوم ييجي… وما يلاقيش حد غيري؟"

---

في إحدى الليالي، استيقظ فجأة،

انتظر لحظة العواء، ولما سمعه، قال في سره: "طيب… فين العفريت؟

فين الزنزانة اللي بيتقبض فيها الروح؟"

لا حركة،

لا موت،

لا صويت نساء،

لا ملائكة،

ولا شياطين.


هدأ قلبه قليلًا.

صلّى، وقال صباحًا: "حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا شيخ رمضان، يا بتاع الأعمال…

نشفت دمي، ربنا ينشف دمك."

---

لكن العواء استمر… والفضول بقى قاتل.

ذهب هذه المرة إلى خبير في لغة الكلاب، رجل يدعى ريكو، يعتني بكلاب ضخمة، يُحبها… ويبيعها ويتربح منها .

أجابه بثقة العارف:

 "الميكروفون العالي بيزعج الكلب.

بيبقى نايم… يقوم مفزوع…فيعوي.

بس كده."

قال خالد:

"العلم نور."


لكنه حين عاد لمراقبة الكلب، أعاد ترتيب المشهد: 

الأذان يبدأ

الكلب يعوي

يتوقف فجأة

ثم تمر دقائق قبل الإقامة

ولا يعوي مرة أخرى.

قال في نفسه: "يعني كان نايم، وصحي، واتضايق، وسكت، ونام تاني،ووقت الإقامة… ما انزعجش؟

طيب يا ريكو يا بتاع الكلاب…

حسبي الله ونعم الوكيل فيك برضو."

---

أخيرًا،

ذهب لرجل عجوز، لا يُفتى عنده شيخ، ولا يفهم الناس لغته أحيانًا.

قال له الرجل وهو ينظر إليه من فوق لتحت: "الله أعلم بمخلوقاته، سيبها على الله، ومتشغلش بالك بالحاجات دي.

أنت بتفكر في أمور تافهة، ولغة كلاب إيه وعلم إيه؟ هذا علم لا ينفع"

قال له خالد:

"أنا مش بفكر، بس ده واقع، كل يوم بيصحيني.

أنقل من الشقة؟" 

ضحك العجوز أخيرًا:

"حتى لو رُحت شقة تانية، سيظل يطاردك عواء الكلاب.

لأن التافه…

هو اللي بيسمع كل حاجة، مش الكلب."

وأنت رجل تافه ، تتحدث في أمور لا تعنيك .

---

خالد،

رجل طيب، لكنه خائف، ومتردد، ويتوه بين فتاوى المشايخ، وتفسيرات العلماء،

وأصوات الكلاب.

ربما كان الكلب ينبح عليه، لا على الأذان.

وربما…

كان خالد نفسه هو العواء.

---

هل يكتفي الآن؟

أم يسأل كلبًا جديدًا في حارة أخرى؟

من يدري…

الجمعة، 23 مايو 2025

ولا كل "الباميات"

 


(ولا كل إللي اتقمعت بامية)


ما الذي جعلني أفتح الثلاجة تحديدًا في هذا التوقيت؟

هل كانت نداءات البطن أم صرخات الروح؟

لا أدري… لكنني وجدتها هناك، علبة بلاستيكية بغطاء غير محكم، بها باميا يبدو أنها عاشت أكثر مما ينبغي في وحدتها.

نظرت إليها نظرة حانية، كأنني أعتذر لها على الإهمال، ثم همست:

"أنا آسف، بس هانقذك النهاردة."

غسلت وجهي دون نية حقيقية للاستيقاظ،

ثم توجهت إلى المطبخ كمن يُنفذ مهمة ثأر قديم.

أخرجت البصلة، فرمقتها…

هل أبكي عليها أم أبكي بها؟

ثم قطعتها كما تقطع الأيام في دفاتر الذكرى.


وضعت الزيت، وانتظرت "الطشطشة" المقدسة،ثم نزلت بالبصل…

صوت البصل في الزيت له رهبة، كأنه أول اعتراف في جلسة تحقيق،

وبعده الثوم، ثم الطماطم…

أيوه الطماطم، صغيرة ومستديرة زي دمعة حزينة نزلت مرة من عيني وأنا بفكر في اللي كان.


ثم جاءت اللحظة الفارقة…

فتحت كيس الباميا،

وقبل أن أنزل بها في القدر، سألت نفسي سؤالًا وجوديًا:

"هل الحياة تستحق أن تُطبخ؟ أم تُؤكل نيّة؟"


نزلت بالباميا كمن ينزل آخر ورقة في لعبة “كوتشينة” خاسرة،

وقلبت الخليط بقلب نصفه في الطبيخ والنصف الآخر في الذكرى.


بعد ما سبكت الخليط، بدأت أفكر،

ليه الناس بتستصغر الباميا؟

ليه لما نقول “بامية” يضحكوا؟

مع إن البامية دي زي الناس الهادية…

مش بتعمل دوشة،

بس تقعد في القلب كتير.

قعدت على الأرض، زي ما كانت أمي بتقعد، فرشت الجريدة، وسخّنت رغيفين، ومديت إيدي على الطبق.

أول ملعقة كانت كأنها “تاريخ”، مش أكل.

ريحة الثوم، وطعم الكسبرة الناشفة،

وحنيّة الزيت عاللسان، قالتلي:

"اتفضل يا بُني… إحنا كنا مستنيينك."

في اللحظة دي، شفت أمي وهي بتضحك، وأبويا وهو بيهزر،

وإخواتي وهم بيتخانقوا على القطعة اللي فيها العضمة.

ما أوجع الذكرى لما تيجي على ريحة أكل.

كأني مش بأكل ، كأني صفّيت الوجع في طبق، وشربته بالمعلقة.


وأقسمت بعدها أن كل الباميات اللي فاتت ما كانتش باميا، دي كانت تجارب طهي فاشلة، النهاردة…

أنا طبخت نفسي


لما خلّصت، غسلت الصحون بهدوء،

ومسحت الرخامة وكأني بمسح تعب سنين.

رجعت قعدت في الصالة، وشغلت لمبة خفيفة، وقعدت أبص في السقف وأسأل:

"هو أنا بطبخ؟

ولا بحاول أفتكر؟

ولا بقول لنفسي: أنا لسه هنا، ولسه عايش؟"

وبس…

هنا خلصت البامية،

بس ما خلصتش الحكاية.

لأنك أول ما تحط راسك على المخدة،

هاتسمع السؤال جاي يهمس:


"هتطبخ إيه المرة الجاية؟

ولا كل الباميات كانت كفاية؟"


الاثنين، 19 مايو 2025

"قطة المطار" - قصة قصيرة


 
كانت بينهما علاقة ليس لها مثيل ، لا تشبه أيًا من العلاقات ... لا هي بين بشرٍ وبشر، ولا بين إنسان وحيوان. بل علاقة فيها شيء من العِشرة، وشيء من الحب، شيء من الذوبان في الآخر،  شيء من التواطؤ الهادئ على أن الحياة دون الآخر لا معنى لها، لاشك كان ما بينهمًا به كثيرًا من الغموض.

كان إذا عاد للبيت، تجدها على عتبة الباب كأنها الحنين نفسه وقد تَجسَّد. تهرول نحوه، تلتف حول قدميه، وتطلق مواءً لا يشبه الجوع، بل يشبه العتاب الدافئ. وكان يربّت على رأسها كمن يطمئن قلبًا، لا فروًا، ها أنا قد عدت يا حبيبتي،تمد جسدها على صدره حين يتمدد، وتدفن رأسها أسفل ذقنه، ويغفو هو على أنفاسها… وكأنها معشوقته لا قطته.

وحين جاء يوم السفر، لم تكتفِ العائلة بوضعها في ركن، بل حملوها معهم إلى المطار—كأنهم يدرون أن هذا الكائن لن يحتمل الفُقد وحده. جلست في حضن الأم، بعينين واسعتين تتابع وجهه، وتحاول أن تحفظ قسماته جيدًا، كأنها تخزّنها للصبر القادم.

وحين ناداهم النداء، وقف، ابتسم، لوّح… ولم تدرِ القطة أن هذه المرة لن تكون كالمرات السابقة.

نسوها.

في المطار، بعد أن غابت الطائرة، بقيت وحدها. بحثت عن رائحتهم، عن صوته، عن موطئ قدمه، عن أي ظلٍّ منه. لكن لا أحد.

ثم بدأت الرحلة—لا إلى بيت، بل إلى العراء.

قطط الشوارع لا ترحم. بعضها يعضّ من الجوع، وأحيانًا من الغيرة، وبعضها من قسوة تعلمها من البشر. وكانت هي "نظيفة"، مختلفة، غريبة. وكل ما هو غريب في الشارع يُضرب أو يُرعب أو يهان.

ظهر عنتر.

ذلك القط الضخم، بعينٍ مشروخة وذيل معقوف، اعتاد فرض سلطته على الجميع. راودها عن نفسها، رفضت. عرض عليها الطعام، الأمان، المأوى. لكنها رفضت ، كانت تنتظر… كانت على عهد مع صاحبها.

لم يتحمّل الرفض، ففكر ودبر ، وتوعد وتجبر ، فصنع منها غنيمة. بمساعدة قطة تُشبهها في الهيئة، وتخالفها في الجُبن، دبّر لها خيانة. دعتها إلى مأوى مؤقت غلظت لها الأيمان أنه آمن، ولا يستطع المدعو عنتر الوصول إليه، ثم تركتها وحدها. وفجأة، ظهر من العدم عنتر فانقضّ على المسكينة. قُيّدت بمخالب مارد، وكُتم مواؤها البريء للأبد، اغتصبها بلا رحمة ذاك الوغد الشقي في ظلام لا يرى فيه أحد سوى الخذلان.

ومن بعدها… لم تعد كما كانت.

تمشي بخوف، تنام بعين واحدة، ولا تأمن أنثى أو ذكرًا. ومع كل ذلك، كانت تقف كل يوم على سور المطار، ترقُب الطائرات، وتُنصت لصوت هبوطها كأنها صلوات. تذهب إلى بوابة القادمين، تمشي بين الأرجل، تشمّ الحقائب، تبحث عن عطرٍ تعرفه.

تمرّ السنون، ويذوب الجسد. يبهت الفرو. تضيق العين. يضعف البصر،  وتظل هي… تنتظر.

وفي يومٍ غائم، طائرة تهبط. والناس تخرج، وقلبها يخرج معهم.

رأت خيالًا من بعيد. لم تعد تبصر بوضوح، لكن الطيف… الرائحة… الخُطى… كل شيء فيه صرخ بداخلها: هو.

قفز قلبها من مكانه. وتقدمت—بخطوات مرتجفة، مشتاقة، دامعة.

اقتربت… همّت أن تقفز بين ذراعيه…

لكنه كان يحمل قطة أخرى.

بيضاء، صغيرة، بكِر… لا تعرف الألم.

تسمرت.

تخشبت قدماها، وتجلّط الدم في عروقها.

لم تحتمل. القلب الذي انتظر، القلب الذي اغتُصِب، القلب الذي عذبته ذاكرة المطاردة والخذلان، توقف بهدوء، وبلا مواء.

هكذا، قررت أن ترحل دون أن يشعر بها أحد.

سلام لروحك للأبد.

الخميس، 8 مايو 2025

عين الحياة

 عين الحياة – رواية الأديب علي محمد علي


"عين الحياة" ليست مجرد رواية، بل نافذة على عالم غريب بين الحلم والواقع، حيث تختلط الرمزية بالحقيقة، والوجع بالحكمة.


في عمله الجديد، يكشف لنا الأديب علي محمد علي عن شخصية تبحث عن نفسها في مدينة تغلي بالتناقضات.

عين الحياة هي رحلة في الداخل… في المخاوف القديمة، والحنين إلى المجهول، والسؤال الأزلي: من أكون؟

بأسلوبه الساخر الحزين، ولغته المشبعة بالدهشة، يكتب المؤلف رواية تشبهه… ناعمة وقاسية، غريبة ومألوفة.


كلمات مفتاحية:

رواية عين الحياة

علي محمد علي

رواية مصرية

كتب عربية على أمازون

أدب رمزي

روايات جديدة 2025


رابط الرواية على أمازون:

:
https://www.amazon.com/dp/B0F72HBHV7

رواية شمس

 شمس – رواية الأديب علي محمد علي


"شمس" ليست مجرد اسم، بل رمز لكل ما يُراد له أن يُدفن في الظل.

في هذه الرواية اللافتة، يأخذنا الأديب علي محمد علي إلى عالم تتقاطع فيه السلطة بالخوف، والأنوثة بالمعرفة، والقدر بالتمرد.


شمس هي البطلة، والرمز، والسؤال المفتوح.

من بين الحارات القديمة والصراعات الخفية، تضيء الرواية أسئلة مؤجلة عن الجسد والحرية والهوية.

بأسلوبه الرمزي الجريء، يُعرّي الكاتب الواقع دون مباشرة، ويمنح القارئ شمسًا لا تغيب عن العقل بسهولة.


كلمات مفتاحية:

رواية شمس

علي محمد علي

أدب رمزي

روايات نسوية

روايات عربية جديدة

روايات على أمازون كيندل

كتب عربية إلكترونية


رابط الرواية على أمازون كيندل:

https://amzn.eu/d/8JxG8E0

السبت، 26 أبريل 2025

ولا كل اليخنات


 

هل تظن أن كل يخني... يخني؟

آه يا سيدي العزيز، لو تدري كم يخنة مرت عليّ دون أن تترك فيّ غير عسر هضم فلسفي!

اليوم، وأنا أجر خطاي المتهالكة عائدًا من العمل، وجدت نفسي واقفًا — بقدرة قادر — قدام بائع الخضار إياه، رافع أكمامه كأنه داخل معركة مصيرية مع الكوسة والبطاطس.

ابتسم لما شافني وقال وهو بيرص الكوسة:

"والله ورجلينا تقلت على الكوسة... يا أستاذ، عايزين فتوى منك نطبخها ولا نكتبها!"

فضحكت، وأنا أشاور على البطاطس.

مسك حباية منهم، قلبها في إيده كأنها خاتم ألماس وقال:

"تصدق يا أوستاذ ... الحباية دي كانت بتسأل عليّك امبارح، قالتلي وحشني أبو الأساتيذ!"

قلتله وأنا باداري ضحكتي:

ـ "يخرب عقلك... بطاطس إيه دي إللي بتسأل عليّ؟ ناقص تكتبلي جواب كمان!"

قهقه وقال:

"آه يا أستاذ، زمنك ده كله مقلوب... البطاطس بتتكلم، والكوسة بتخطب، والقرع بيحكم!، واليوم هاينقلوا السوق من مكانه"

أخذت حاجتي وأنا بقسم بالله في سري:

لو فضل الراجل ده يحكي، هأكتب عنه رواية اسمها "رجل يربّي الخضار على الكلام".

حدثتني نفسي :

لماذا لا أجرب أن أكون طاهياً ليخنة تُكتب في التاريخ؟

بعد مااشتريت ما تيسر، وحملت الغنائم، وعدت إلى مملكتي الصغيرة.

سلخت الكوسة سلخاً، وقطعت البطاطس تقطيعًا يليق بمجدها الغابر،

ورميت الفلفل فوق الجميع كما ترمى التوابل في ثورة جياع.

النار، تلك العاشقة القديمة، كانت تنتظرني بفارغ الصبر.

أشعلتها، ورقصت عليها القطع مبتهجةً...

كما ترقص الشعوب عندما تعدها الحكومات بفرج قريب!

وبينما كانت رائحة القِدر تتسرب إلى أرجاء المكان، وقفت أمامه متأملًا:

هل أنا الآن أطهو يخنة... أم أطهو نفسي؟

كل قطعة كوسة، كل بطاطساية مبطسطة، كل فلفلية مفلفلة،

كانت تشبه جزءًا مني:

كوسة تكاسلت عن حلم،

بطاطس سقطت في معركة عمر،

وفلفل حار أحرق لسان أملي ذات مرة.

وعلى نار هادئة اشتعل المزيج، وكأنه بيكتب لي ملحمة جديدة:

ملحمة "اليخنة اللي خدت حقها من الزمن."

وبين ملعقة وملعقة،

ابتسمت لنفسي…

مش كل اليخنات سواء،

ولا كل الخضار خضار،

ولا كل السخرية مرة…

فيه سخرية بطعم يخني أبو لهب…

وسخريتي النهاردة كانت بطعم يخني أبو فرحة!

آه، ما أشبهنا باليخنات،

نبدو متماسكين، لكننا خليط هش من طموحات مشوية وأحلام مسلوقة!

الجمعة، 25 أبريل 2025

إنسان

 

إنسان

أنا الوفرة
وأنا ما ندر وقل
أنا طفرة
أنا المعرفة والجهل
أنا الخائن والمغدور
أنا الظلمات والنور
أنا الماء  والخضار
و الرعد و الإعصار
في تكويني تضاد
فأحيانًا حصاد
وأحيانًا جراد
لا أحد يشبهني
ولا أشبه أحد
أينما وليت
يرافقني المدد
خليط غير ممل
فيه من كل شيء
   ... كأنه " كل "
تارة ناسك
وتارة فاسق
أملك ؛ وأكابد
وأحب وأمل من جديد
ولا أعرف لماذا بالتحديد ؟
لا شيء عندي عزيز
الكل طعمه لذيذ
وحينما أيأس
يشدني بقوة  مارد
إلى عالم بعيد 
وتتغير كل الأشياء
و أنسى من أنا
لأبدأ رحلة  شقاء
وأعود
أضحك 
وأعود
أحب من جديد
وأنا أعلم أني سأخان
أو أخون
وأعود كي أكون
مثقلًا بالأحزان
وأعود
أدعو وأتعبد
وأنا مدمن خمر
وأعود
لحلقات الذكر
وأنا أعلم أني شرير 
إلى متى ؟
سأظل حائراً في البحر
بلا بوصلة أو خط سير
فكل الأمواج تتشابه
أين مني  الشطآن
ألملم بقايا إنسان
ملعونة هي الكآبة
ملعونة هي الرتابة
متى أعود ؟
متى أعود ؟
اشتقت للإنسان 

الثلاثاء، 22 أبريل 2025

ولا كل الكبدات

 



أتذكرون السوق ؟ إنه يقطع طريق عودتي من عملي ، وأثناء عودتي مرهقًا قليلًا رأيت بائع اللحوم يقطع كبدة ويعبئها في أطباق ومن ثم يغلفها ويضعها في ثلاجة عرض ، فنسيت تعبي وإرهاقي وتذكرت إجابة ابنتي الكبرى عن سؤالي الوجودي في مقالي السابق "ولا كل الشكشوكات" فتسمرت قدماي ووقفت أمام البائع شارد الذهن قليلًا ، فبادر بسؤالي : أؤمر يا أبو الأساتيذ ، أجيبلك إيه ؟ فتنبهت وقلت بكام كيلو الكبدة النهاردة ؟ فقال : ١٦٠ جندي بس يا أستاذ ، فتلبستني روح المتمرس العارف بأنواع الكبد وقلت ، ودي مستوردة من أي بلد ؟ قال بلا تردد : برازيلي برازيلي يا أستاذ ، فضحكت وقلت : أكيد كانت بتلعب كورة ، ثم قلت للرجل لما وجدته لم يستحسن أفشتي : طيب يا حاج عبيلي طبق ب ١٠٠ جندي ، ثم أخذت الكبدة ومشيت غير مدرك حجم التوريطة التي ورطت بها نفسي ! وماذا بعد ؟ سرت ولا أنتوي أي شيء ، حتى توقفت قدماي مرة أخرى عند بائع الخضروات إياه ، وأكيد لسة فاكرينه ، هذا البائع المتنمر ، ذهبت و ناوي له على نية ، لكن بمجرد أن رآني تذكرني فابتسم ابتسامة مصرية صافية أطفأت نار نيتي له ، فابتسمت وقلت : إوزن كيلو بطاطس ، فضحك القهقة وقال : إنت لسة فاكرها يا أستاذ من المرة اللي فاتت ، دي شكلها كانت شغلاك أوي ، طيب ردوا إنتم بقه أعمل في الراجل ده إيه ؟ وبطاطس إيه إللي هابات الليل أفكر فيها وتشغلني وأنا بشارك في رسم سياسات ومتابعة تنفيذ عمل إدارة كاملة ، فقلت لنفسي : "اللهم إخزيك يا شوشو" ، وطبعا قرائي الأعزاء يعرفون جيدًا من هو "شوشو" ، فقلت بيني وبين نفسي : لابد أن أغير خطتي مع هذا المتنمر ، فبادرت بالرد : تخيل ما نمتش من التفكير فيها طول الليل ، لدرجة إني حلمت بيها ، فقال مسرعًا : وجاتلك بقه متحمرة ولا متقشرة ؟ قلت : جاتني عريانة ، فانفجر الرجل ضحكًا و سقط من يده كيس البطاطس ، ثم قال : وعملت معاها إيه يا أستاذ ؟ الله يخرب بيتك الراجل عاوز يصعد ويعلي ، قلت : أبدًا أنا لعبت معاها شوية و بعدين كلتها ، قال : بألف هنا وشفا على قلبك يا أستاذ ، إن شاء الله المرة الجاية تجيلك الكوسة ، فنظرت له نظرة أنا نفسي مش عارف معناها إيه ثم تركته وانصرفت ، و هنا تذكرت التوابل فاشتريت منها ووجدتني أتذكر الثوم وحزمة الشبت والكسبرة ، ما هذا ؟ هل كنت طباخًا في حياة سابقة ؟ من أين أتت لرأسي كل تلك الفتوحات ، ربما لأني كنت أراقب أمي جيدًا وهي تطبخ وأنا صغير ، فأمي كانت طهاية من نوع فريد ، يكفي أن تضع يدها في أي أكلة فتتحول إلى سحر و دواء يأخذك في عوالم افتراضية من الاستمتاع بالطعم ، أدامك الله يا أمي على رأسي حتى لو نسيتي قواعد الطبيخ ، الآن ليس لدي أي حجة ، وسرعان ما غسلت وقشرت وقطعت وسلقت ، كل هذا في وقت واحد تقريبًا وبالتوازي ، كما وكنت حريصًا جدًا على نظافة المطبخ حولي ، هكذا تعلمت من أمي ، وبعد دقائق لا أدري طالت أم قصرت بدأت أشم رائحة النضوج ، فقلت هنا كانت أمي تهدأ النار ففعلت ، والرائحة تتوغل وتتسرب داخل وخارج الشقة التي لم يوقد فيها نار منذ زمن بعيد ، فأخذت طبق صغير وغرفت قليلًا مما صنعت ، و سخنت رغيفان وتوكلت وسميت الله ، ما ألذ ما صنعت ، وما أشهى ما جنته يدي ، أكاد أجزم أنها أشهى أكلة أكلتها بعد أكلات أمي و شكشوكة أمس ، ويطل برأسه كالعادة كل مرة نفس السؤال الوجودي الأزلي ، هاطبخ إيه المرة الجاية ؟ 

حكايات مصرية ٣

 هنا القاهرة - شبه دولة المماليك 


هنا القاهرة عاصمة الخلافة العباسية ، وعاصمة السلطنة
المملوكية في ذات نفس الوقت ، أيوه زمبقولك كده  ، فبعد قتل التتار للمستعصم بالله آخر خلفاء العباسيين في بغداد ، ظلت الخلافة بلا خليفة لما يقرب من ثلاث سنوات ونصف تقريبًا ، حتى وصل المدعو " أحمد المستنصر بالله " في ظروف غامضة إلى القاهرة في شتاء عام ١٢٦١ م أثناء حكم السلطان الظاهر بيبرس وكان عمر المستنصر هذا وقتها يقارب ال ٣٥ عام ولا يعرف بالتحديد إن كان هذا المستنصر قد أتى ضمن مجموعة من عرب الحجاز الذين كانوا ينزحون إلى مصر بحثًا عن رغد العيش ضمن سلسة من هجمات النزوح الشرسة للعربان والتي كانت تتسم بالعنف والسطو والقلاقل التي كانوا يفعلونها أثناء تلك الفترة التي اتسمت بعدم الاستقرار في شبه الجزيرة العربية ، وقيل إيضًا في مجيئ المستنصر إلى مصر ، أنه جاء بناء على طلب من سلطان مصر الظاهر بيبرس ، وهنا يجب أن نتوقف قليلًا ، فبيبرس البندقداري كان سلطانًا قويًا ، حتى أن بعض المؤرخيين يعتبرونه سلطان المماليك البحرية الأول ، رغم شهرة سابقه " سيف الدين قطز " والدور العظيم الذي أداه في منازلة التتار وموقعة " عين جالوت " الشهيرة  _ وإن كان لي بعض التحفظ على تلك البروباجنده " المصاحبة لتلك المعركة الشهيرة " حيث أن المواجهة لم تكن مع جحافل التتار كما يدعون  ، بل قل مع فلول التتار وبقايا جيوشهم في منطقة الشام ، لأن " هولاكو "  في ذلك التوقيت إضطر للعودة إلى بلاده بعد قطع إبن عمه " بركة خان " طرق الإمداد عليه وعلى جيشه عقابًا له على مافعله بالخلافة العباسية في بغداد وبالإسلام رغم تحذيرات " بركة خان " ذو الميول الإسلامية له من عاقبة ذلك _ نعود لسبب وقفتنا عند تلك الواقعة ، إن سلطان المماليك يعلم جيدًا أنه " مملوك " وأنهم كانوا جميعًا بالأمس القريب مجرد خدم وعبيد لأسيادهم الأيوبيين ، ودائمًا وأبدًا فإن سيكولوجية العبيد لا ولن تتغير فهم دائمًا يسعون إلى إيجاد " شرعية " وإن كانت صورية ، فالعبد في قرارة نفسه يعرف أنه " عبد ذليل " حتى لو أصبح سلطانًا في غفلة من الزمان ، لذا وبمجرد وصول المستنصر عقد له بيبرس مجلسًا جمع فيه كبار المشايخ والعلماء والذي كان من بينهم " عز الدين بن عبد السلام " شيخ الشافعية ، وأيضًا قاضي قضاة مصر " تاج الدين ابن بنت الأعز " والذي أثبت نسب المستنصر ، ولا أحد يعلم كيف إلا هو ، ثم بايعه السلطان الظاهر بالخلافة ، وسرعان ماجهز له جيشًا وخرج الخليفة والسلطان إلى بلاد الشام وهناك قام السلطان بوضع اللمسات الآخيرة على تجهيز الجيش الذى ولى الخليفة المستنصر على قيادته وكان هدف ذلك الجيش هو استعادة بغداد من يد التتار ، وسرعان ما علم التتار بقدوم جيش المستنصر حتى خرجوا عليه قبل وصوله إلى بغداد وأبادوه عن ظهر قلب ، ومن يومها إلى الآن لا أحد يعرف أين إختفى الخليفة المستنصر " خليفة المؤمنين " والذي لم يمكث في الخلافة غير بضع شهور ، وكأن لسان حاله يقول " أموت وأعرف مين إللي شار عليا الشورى الطين دي " رحم الله المستنصر والذي راح ضحية أطماع السلطان وليس رغبة في الخلافة .

لقد أعاد المماليك إحياء الخلافة العباسية في مصر بعد زوال شمسها في بغداد ، لكنها كانت صورية وفقط لاضفاء الشرعية والدعم الروحي مما يجعل حكمهم مهيب الجانب وأقرب إلى القداسة ، والغريب العجيب أن هذا العرف صار مستمرًا حتى بعد زوال دولة المماليك وقتل  " طومان باي "  آخر السلاطين المملوكيين في العام ١٥١٧ م
حيث أسر " سليم الأول " سلطان العثمانلية " المتوكل على الله الثالث " آخر خلفاء بني العباس ، وأمر بنقله إلى اسطنبول وأوصى بأن تؤول الخلافة بعد موته إلى السلطان العثماني وكان معه " سيف الرسول وبردته " ولما مات المتوكل في ١٥٤٣ م انتقلت الخلافة إلى أبناء عثمان وظلت فيهم حتى العام ١٩٢٤ م
وبصرف النظر عن رحلة البحث عن الشرعية عبر التاريخ ، وأن من لايملك أعطى ووهب ومنح من لا يستحق فإن عهد المماليك يعد بمثابة بداية الانحطاط في تاريخ الحضارة الإسلامية ، فكل شيء كان " كأن " فالسلطان كان عبد لكن كأنه سلطان ، والخليفة كان مجهول النسب لكنه كان كأنه " خليفة " وحتى الدولة لم تكن دوله ولكنها كانت " شبه دولة " أو لنقل كنوع من التمويه والخداع اللغوي " شبه سلطنة " ونحن بدورنا " شبه شعب " فمتى ؟؟ متى نستفيق من الوهم والخداع .

إهداء إلى ابنتي الحبيبة " نورڤانا " 

حكايات مصرية ٢



قوم يا مصرى مصر دايما بتناديك
خد بنصرى نصرى دين واجب عليك
يوم ما سعدى راح هدر قدام عينيك
عد لى مجدى اللى ضيعته بأيديك
شوف جدودك فى قبورهم ليل نهار
من جمودك كل عضمة بتستجار
صون أثارك ياللى دنست الاثار
دول فاتولك مجد و أنت فوت عار
شوفت اى بلاد يا مصرى فى الجمال
تيجى زى بلادك اللى ترابها مال
نيلها جى السعد منه حلال زلال


أيضًا الرائع ... بديع خيري

في العام ١٨٣٢ م لم تنسى فرنسا حلمها بشق قناة تربط بين البحرين فأرسلت وفدًا من خيرة مهندسيها ، واستطاعوا الحصول على إذن من رجل الدولة المحنك " محمد علي " بالذهاب إلى الموقع من جديد وتأكدوا أن " لوبير " مهندس " نابليون " قد أخطأ في الحساب ، وأثبتوا أن مستوى المياه في البحرين واحد ، لكن " محمد علي " وافق على الحفر بشرطين في منتهى الحنكة والذكاء ، رغم كونه لم يكن مصريًا لكن ولائه كان مصريًا ، بعكس مصري اليوم والذي ليس لديه ولاء إلا للأعداء ، نعود لشرطي " علي " أما الأول : أن تضمن القوى العظمى حيادية القناة وبالتالي الاعتراف الضمني باستقلال مصر ، وأما الثاني - وأرجوك انتبه جيدًا له - أن تمول القناة بالكامل من أموال وخزينة مصر ، وبالتأكيد قوبلت الشروط بالرفض .

ومات نابليون ومات محمد علي وساءت أحوال فرنسا الاقتصادية ، لكن الفكرة لم تسقط من عقل " فردناند دي ليسبس " والذي جمع عائلته واستقل سفينة عائدًا إلى مصر ، بلد الخير والرخاء والتي لا تسوء أبدًا أحوالها الإقتصادية ، ولا تنقطع خيراتها ولا تمنع ، ووصل في ٧ نوفمبر ١٨٥٤ م وقابل صديقه الذي أصبح خديوي على مصر في ١١ من نفس الشهر ، وسرعان ما عرض عليه مشروع القناة ، وهنا تبرز على السطح أهمية " المكرونة " التي كان يهربها دي ليسبس لصديقه بعد منع " محمد علي " ابنه من أكلها لأنها تسبب البدانة , وتقدر تقول كده كان بيعتبرها " أندومي " ليس لها فائدة ، لكن المشكلة أن الابن " سعيد باشا " كان " طفس " وهمه على بطنه ، فاستغل ذلك " دي ليسبس " وعقد أظلم وأجحف بل وأحقر الصفقات في تاريخ مصر ،

منح والي مصر الخديوي  " محمد سعيد باشا " في عام ١٨٥٦ م للمهندس الفرنسي " فردناند دي ليسبس " إمتيازًا بحفر قناة السويس البحرية وتشغيلها لمدة ٩٩ عام تبدأ من تاريخ إفتتاح القناة للملاحة البحرية على أن يكون نصيب مصر من الأرباح ١٥ ٪ , وسرعان ما شرع " دي ليسبس " في إنشاء الشركة العالمية لقناة السويس البحرية  برأسمال 200 مليون فرنك فرنسي موزعة على 400 ألف سهم قيمة السهم الواحد 500 فرنك، وطرحت أسهم الشركة في الأسواق الدولية في نوفمبر 1858، واكتتب الفرنسيون بنحو 207,111 سهم ما يعادل نصف الأسهم فيما اكتتب الخديوي بنحو 177,642 سهم وتوزعت باقي الأسهم المكتتبة في الأسواق الدولية
وضع دي ليسبس  وحده بل ومنفردًا  لائحة العمال بعد أن حاز على توقيع الخديوي سعيد عليها ، والتي ضمنت لشركة قناة السويس البحرية (الفرنسية في ذلك الوقت) الموارد البشرية الهائلة من خلال تعبئة المصريين لحفر القناة، وجاءت المادة الأولى من اللائحة لتنص على أن تقدم الحكومة المصرية العمال للشركة طبقاً للطلبات التي يتقدم بها كبير مهندسي الشركة ( فوازان بك )  وطبقاً لاحتياجات العمل، وحددت المادة الثانية أجور العمال التي تراوحت ما بين قرش ونصف القرش وثلاثة قروش في اليوم، وإذا كان العامل دون الثانية عشرة من عمره يتقاضى قرشاً واحداً في اليوم ،- هل لا حظت شيئًا ؟ - الشركة العالمية استعانت بالأطفال المصريين ، ولم ترحم ضعفهم ! ، ونستطيع الآن بالوثائق والمستندات مقاضاة فرنسا لاستخدامها أطفال مصر في ظروف غير آدمية واستغلالهم حتى الموت . صحيح التزمت الشركة بتقديم الخبز المقدد إلى كل عامل بصرف النظر عن عمره ، ونصت اللائحة على فرض عقوبات على العمال الهاربين من الحفر ، فالعامل المهمل يخصم من أجره بما يتناسب مع مقدار إهماله، أما العامل الذي يهرب فيفقد أجر الخمسة عشر يوماً المحفوظة بخزينة الشركة، ونصت اللائحة أيضاً على عمل مستشفى ميداني بمنطقة الحفر ومراكز للإسعاف مزودة بالأدوية ، لكن معاناة العمال
بدأت من خلال نقض الشركةلوعدها بحفر قناة ماء عذب لمد العمال بمياه الشرب مما أدى للتضحية بآلاف العمال الذين أنهكتهم شدة العطش والانهيارات الرملية. ثم توالى سقوط الآلاف بسبب انتشار الأوبئة ، كما خالفت الشركة وعدها بتوفير وسائل متطورة في الحفر وأكره العمال على العمل في ظروف قاسية معتمدين فقط على سواعدهم وعلى الفأس والقفة

شهدت  سنوات الحفر الأولى للقناة أكبر عملية حشد للعمال بلغت عام ١٨٦٢ م مابين  20 ألف و22 ألف عامل يساقون لساحات الحفر في الشهر الواحد، قادمين من الوجهين القبلي والبحري، وكثر تمرد العمال وهروبهم وأظهر عمال الوجه القبلي تحدياً سافراً للشركة مما اضطر الشركة للاستعانة بالشرطة لإخماد تمرد العمال ومطاردتهم وتعذيبهم ، وقد كشفت التقارير الطبية والمحفوظة في مكتبة الإسكندرية أن أكثر الأمراض التي إنتشرت بين العمال هي النزلات الشعبية والأمراض الصدرية وحالات الاسهال الشديد والدوسنتاريا والجدري والكوليرا لدرجة أن الشركة لم تجد رجالاً يرفعون جثث الموتى الذين كان يتم دفنهم في الصحراء، وتلاها ظهور مأساة تعرض العمال خلال الحفر لمادة طينية سائلة كانت تحتوي على مادة الفسفور الحارق مما أدى إلى إصابة الآلاف بالأمراض الغامضة التي أدت إلى وفاتهم على الفور .


ومات من مات ، وما أكثر من مات حتى الخديوي سعيد نفسه مات ، وتولى بعده الخديوي " اسماعيل " الذي قرر افتتاح القناة في ١٧ نوفمبر ١٨٦٩ م ، أي بعد ١٠ سنوات من قتل المصريين في الحفر واختلاط دمائهم بالماء المالح ، وقد دعا اسماعيل ملوك وأمراء أوربا - وعلى رأسهم - الإمبراطورة " أوجيني " الجميلة الجذابة زوجة " نابليون الثالث " والتي قالت بعد إنتهاء الحفل الإسطوري : ما رأيت أروع من هذا الحفل الشرقي العظيم في حياتي , وعلى الرغم من إغراق البلاد في الديون ، فقد كان لإسماعيل رؤية توسعية مما جعلت حلفاء الأمس يضغطون لخلعه وعزله عن الحكم وتوليه ابنه توفيق بدلًا منه ، بعد أن تعرضت البلاد بعد افتتاح القناة ب ٦ سنوات لأزمة مالية طاحنة ، مما أضطر إسماعيل لبيع حصة مصر في القناة لبريطانيا بمبلغ ١٠٠ مليون فرنك في ٢٥ نوفمبر ١٨٧٥ م ولكن لم يف بيع مصر لحصتها في القناة بالديون مما أضطرها لبيع حصتها من الأرباح أيضًا نظير مبلغ ٢٢ مليون فرنك ، وهكذا خسرت مصر دم أبنائها وحقها في القناة في ظرف " ست سنوات " بصوت " السادات "
وها نحن وبعد مرور ما يقارب مائة وخمسون عام ، لم نتعلم من دروس التاريخ ونعرض للمرة الثانية شرفنا وعرضنا ودم أبنائنا للبيع بسبب الديون المبالغ فيها والغير مبررة تمامًا كما فعل " إسماعيل " وحتى لو بيعت القناة ، وبيعت بعض الجزر ، وبيعت حصتنا في غاز المتوسط ، وبيعت شبه جزيرة سيناء ، وبيعت نساء مصر كما بيع أطفالها في حفر القناة ، فلن تفي بسداد الديون ، أتدرون لماذا ؟ لأننا لم نستفد من تلك الديون ولم نبني بها مصانع لإنتاج سلع ، ولا مدارس لإنتاج عقول ، وإنما سكتنا واكتفينا بانفاقها في ذلك الأسفلت اللعين أسود القلب ، وتلك الكباري العجيبة التي تلف حول نفسها ، وتلك الأطنان من الخراسانات التي سقطت في قاع الصحراء ، نحن نراقب ونرتقب دورة التاريخ الطبيعية والمتكررة دومًا ، ويبدو أن لا أحد يستوعب الدرس .

أين "سامي" ؟

  في اليوم الذي اختفى فيه سامي عبد الرحمن، لم يحدث شيء استثنائي، الشارع كان في مكانه، بنفس البلاطة المكسورة أمام المخبز، وبنفس الكلب الذي ين...